في تعز.. محافظان وهويتان أيضاً!
 

محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
في تعز، لدينا محافظان، ولدينا هويتان أيضاً: تعز «الحرة»، وتعز المحتلة!
في الأولى، محافظ ائتمنته ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014 للإشراف على إدارة شؤون رعاياها المنهكين في نطاقها الديمغرافي ضمن جغرافيا السيادة الوطنية، ورعاية مصالحهم وتأمين سبل أمنهم ومعيشتهم البائسة والممسوسة بكل مظاهر الفوضى والفجور الاحترابي وألم الحصار والفاقة والمؤامرات الداخلية والخارجية الدنيئة والمحمومة... فبات وجوده بلسماً يخفف مشاق وعناء النازفين والمتعبين والنازحين والجوعى والمهمشين التواقين للعيش الآمن والكريم في بلد بات فاقداً لأبسط شروط الحياة الإنسانية الآمنة والمستحقة.
أما الآخر ففرضته جحافل الغزو والعدوان، محولة إياه من نعجة إلى غول يلتهم أحلام وأمن وتطلعات أبناء الحالمة المذبوحة في نطاقها المحتل والممزق والمنكوب بأمراء الحرب ومليشياتهم المسعورة، فبات وجوده أشبه بالسعير المضاف إلى جحيم الواقع الاجتماعي المعاش والمنتج بأنامل العبث والارتزاق المموه بشعارات الوطنية العاطفية الزائفة.
الأول (المساوى) أدرك أهمية تكريس أسس الثورة الاجتماعية الدائمة في نضاله البنيوي كمبدأ حداثي وانتقالي مهم يرتكز على الإسناد الدائم لآمال وتطلعات الجانب الأعم من الجماهير العمالية الكادحة والمهمشة والمثقفة كشرط حيوي لتحقيق التحولات الثورية المطلوبة في مجتمع ظل يرزح لعقود طويلة ومظلمة تحت نير الدولة المشيخية العميقة والمتسلطة لآل الأحمر ومواليهم الكثر، وذلك من خلال رؤيته المتبصرة والمتسمة بنوع من الطابع الديالكتيكي الصرف، المنطلق من فرضية أنه متى ما تمكنا من منح العامل الواعي طبقياً والمستعد للمثابرة الحافز الكافي للتعاطي مع الأفكار الجديدة وغير المألوفة، سيجد أن عملية التحول الثوري تعد في جوهرها واضحة وبسيطة وقابلة للتطبيق الحرفي.
وهو ما نجح بتحقيقه على أرض الواقع العملي، لدرجة بات معها اليوم عامل النظافة المغمور في الأمس والمناط فقط كـ»مهمش» بكنس وتنظيف وسخ القبائل وقذارتهم المقرفة مديراً تنفيذياً لإحدى الإدارات الفرعية المنضوية في سياق المشروع الخدمي الحضري ذاته (صندوق نظافة وتحسين المدينة)، والحال ذاته ينطبق أيضاً على المهندس الموهوب الذي منعته في الأمس جذوره الاجتماعية الدنيا (كرعوي غير معسوب مثلاً) من أداء دوره الخدمي والاجتماعي بصورة موائمة لمستواه العلمي والمعرفي، بات اليوم قادراً على أداء دوره المهني بشكل مثمر ومظفر في ظل ثورة أيلول 2014، بسحنتها التعزية، وبصورة تكاد تكون شاملة ومعاشة في العديد من مناحي الحياة الخدمية والحضرية والإنسانية المزدانة بعبق التحضر الحداثي الذي تجاوز بإصرار كل أسوار وحواجز الكبت والحرب والدمار والحصار المعيشي والتنموي الخانق والجمود الإنمائي، باستثناء مكتب الأشغال العامة الذي لا يزال على حاله الرث، بعد أن أفلت على ما يبدو من براثن المساوى التصويبية حتى اللحظة وبطريقة غير مفهومة!
أما الآخر (نعجة الارتزاق وغولها المصطنع نبيل شمسان) فنجح في إعادة قاطني الشق المحتل من محافظتنا المكلومة بجحود أبنائها إلى حواصل القرون الوسطى، مدشناً بذلك عصر الجريمة الرسمية والمنظمة التي تبدأ تباشيرها كل يوم بعزف صباحي للنشيد الوطني وبرفرفة ملحمية لعلم الجمهورية التي يتباكون عليها بعد أن قوضوا كل أساساتها القائمة؛ لدرجة أنه، وأينما وليت وجهك في شقنا التعزي المحتل، ستتبين بجلاء كيف أتاحت الحداثة المعممة بقذائف بني سلمان وعيال زايد، لقاتل مدان مثلاً، بأحكام قضائية نافذة شغل وظيفة رئيس محكمة شرعية في مديرية كذا، فيما يتمنطق قاطع طريق آخر ومثقل بإرثه الدموي والإجرامي مقعدها الأمني الأول الذي يخوله الحفاظ على أمن المجتمع وأمواله وأعراضه... وهكذا دواليك، في تكريس منهجي لما يمكن تسميته بـ«قوانين الأوميرتا» المعروفة تاريخياً بدستور المافيا المنظمة، والتي أسهمت كنصوص غير مكتوبة مشيعة تحت مسمى «قانون الصمت» في تنظيم نشأة الكارتلات والتنظيمات المافيوية والإجرامية العتيدة منذ تشكل جذورها التكوينية الأولى أواسط القرن التاسع عشر، بدءاً من صقلية في إيطاليا، وصولاً إلى أمريكا الشمالية، والتي تشترط مجازاً (أي الأوميرتا) كمنظومة قوانين موقرة على كل من يرغب في الانخراط بهذا المجال إجادة كل أعمال القتل والنهب والسلب والتقطع والحرابة والإرهاب إجادة تامة ومتقنة كشرط أساسي لاكتساب شرف العضوية في تكويناتها الهرمية الشبيهة اليوم وإلى حد بعيد بهرم تكوينات سلطة الفنادق العميلة والمزينة برتوش الشرعية الموءودة، وخصوصاً فيما يتعلق بطرق إدارتها المشؤومة لشؤون المحافظات البائسة والواقعة في براثنها بصورة أفقدت قاطنيها التعساء كل معاني النقاء والشرف والانتماء والهوية التي لم تعد في متناول أيديهم بالتأكيد.

أترك تعليقاً

التعليقات