محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
في الحادي والعشرين من تموز/ يوليو الفائت اغتالوا السيد مؤيد حميدي، منسق برنامج الأغذية العالمي، في تعز، ثم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، إذ باشروا -وبغرض إدانة جريمتهم المروعة تلك علنا والاستفادة من تداعياتها إلى أقصى مدى ممكن- بتشكيل لجان تحقيق متعددة لكشف ملابسات الجريمة!
ومن ناحية أخرى شنوا حملات قمع وتنكيل أمني مروعة وواسعة النطاق بغية تصفية حساباتهم مع العديد من خصومهم السياسيين والاجتماعيين في المنطقة، في استغلال انتهازي مروع لجريمتهم ذاتها، وذلك قبل أن يقدموا يوم الثلاثاء الفائت  (15 آب/ أغسطس الجاري) على اغتيال كبير محققي البحث الجنائي المكلف بملف القضية ذاتها في محافظة تعز السليبة، والمعين بمباركتهم أصلا لكشف تفاصيل جريمتهم السابقة بحق حميدي، والتي يبدو أن المحقق القتيل (العقيد عدنان المُحيّا، وهو بالمناسبة من ضباط الأمن السياسي رفيعي المستوى) كان على ما يبدو على وشك الوصول أو الاطلاع على بعض خفاياها المحظورة، ليردى على ضوئها قتيلا هو الآخر، لضمان عدم انكشاف الحقائق.
ومن يدري ما الذي تخبئه جماعة حزب الإصلاح المهيمنة في هذا الشأن يا ترى لاستغلال جريمتهم الأخيرة تلك بحق ضابط البحث على نحو أفضل، وبالوتيرة ذاتها التي استفادوا بها من الأولى، وبما يحقق لهم أفضل النتائج الممكنة لفرض المزيد من تسلطهم وتعطشهم اللامتناهي للسلطة والدماء!!
فهم (أي مطاوعة الرذيلة) لم يجيدوا في حياتهم شيئاً البتة، وعلى امتداد تاريخهم الحركي والوجودي المشؤوم في بلادنا، سوى القتل، والقتل فقط؛ القتل لخصومهم، والقتل لحلفائهم ومواليهم، وللإنسانية من حولهم، باستثناء أنفسهم فقط.
فالقتل هو الزاد النظري والأيديولوجي للمطاوعة للصمود في وجه أعاصير الرفض الشعبي والاجتماعي المتنامي لوجودهم، فبدونه ما كان يمكن لهم أن يحكموا أو يهيمنوا، كما أنه (أي القتل) يعد بالنسبة لهم أبرز مصادر الإلهام والتأمل الفقهي لإدراك مدى القوة التي تعود بالنفع على من يتفرد مثلهم بقمع الحياة العامة، وتقرير حياة البشرية من حولهم، وموتها أيضا؛ فهو الأبجدية التي ابتدؤوا بها تاريخهم الجهنمي، مثلما سيكون أيضاً خاتمة وجودهم في قادم الأيام، سواء طال أمدهم أم قَصُر.
فالقتل بات واقعاً ومستفحلاً فينا منذ ابتلتنا المشيئة بتلك الوجوه الملتحية التي أطلت على قيمنا ومجتمعنا على شاكلة يهود الدونمة في الأستانة*، الذين أشهروا إسلامهم فيما احتفظوا بيهوديتهم سراً، لينخرطوا بعدها كالسرطان وباسم إيمانهم المزيف في كل مفاصل الدولة العثمانية، مقوضين إياها من الداخل، بصورة كان لها أثرها الرئيسي والعميق في تسريع انهيارها الكلي عقب انتكاستها الكارثية في الحرب العالمية الأولى.
فالقتل عمل شاق وخبيث وقاسٍ وجبان، ولهذا السبب، ربما، ارتبط وبشكل يكاد يكون حصرياً في تاريخنا الاجتماعي والوطني بتاريخ وتقاليد المطاوعة، لا كمهنة حركية فحسب، وإنما كأداة للسياسة والتبشير، إلى حد أنهم استمرؤوه فينا، هم وأسيادهم في التحالف، الذين جلبتهم فتاوى المطاوعة في المقام الأول، بحيث لم يفرقوا في هذا المنحى ما بين صبي في حافلة مدرسية أو رضيع ألقموه قذيفة مفرقعة عوضاً عن ثدي أمه، أو بائع أعلاف مسن في سوق ماشية، أو متسولة مهمشة تجرجر أطفالها الجوعى سعياً وراء ما تيسر في سوق شعبية مزدحمة، أو مريض ينازع الموت في سرير مشفى، أو عرائس يخطين نحو أقفاص السعادة التي تحولت بفعل العدوان إلى توابيت تحوي جثامينهن الممزقة والمغتالة باسم الدفاع عن "الشرعية".
وإلى أن تتوقف أبجدية القتل والدم والدمار والمآسي والدموع النازفة والمنهمرة دون توقف من بدن الأمة بأسرها، باسم الدفاع عن الفضائل الوطنية والدينية، ما علينا سوى انتظار الخلاص الذي قد يأتي إما على شكل قذيفة خونجية وإما لفتة تعاطف سماوية تخلص بقايا هذا الشعب من طغيان قتلته.


* الأستانة كانت في عهد الدولة العثمانية مقر إقامة سلاطين الدولة ومركز حكمهم الديني والسياسي.

أترك تعليقاً

التعليقات