المساوى.. رجل يجيد البناء بقدر إجادته للحرب
- محمد القيرعي السبت , 21 فـبـرايـر , 2026 الساعة 2:23:20 AM
- 0 تعليقات

محمد القيرعي / لا ميديا -
شاهدته مؤخرا وقبل أيام قلائل على شاشة التلفاز وهو يقوم بتدشين وافتتاح كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة تعز -الحوبان، بتكلفة إجمالية مقدرة بـ650 مليون ريال ممولة ذاتيا من خزينة السلطة المحلية في المحافظة التي يرأس مكتبها التنفيذي.
مثلما شاهدته قبلا.. وخلال السنوات الثلاث الفائتة تحديدا وهو يقوم بقص أشرطة الافتتاح، البسيطة كبساطته المثقلة بالهموم التنموية، للعديد من المشروعات التنموية والخدمية والإنمائية في الشق السيادي من محافظة تعز التي تعد الأكثر عرضة للمشروع العدواني الراهن والمحافظة الأكثر نزفا جراء الحرب العبثية الطويلة التي تطالها بجبهاتها المتعددة والمتنوعة بهدف إخضاعها وتركيع أبنائها.
فمن قيامه بشق وتعبيد وسفلتة الطرق الجديدة.. إلى ترميم القديمة منها.. إلى بناء المرافق الصحية والتعليمية في المدينة والريف.. إلى تحفيز القيم والمظاهر الجمالية للمحافظة عبر تشجير الشوارع وتزيين الحدائق والأحياء التي تخلصت في جانبها الأعم من السمات الهشة والمتهالكة لمحياها.. تماشيا مع إرثها الحضري التقدمي التاريخي بوصفها عاصمة الثقاقة الوطنيّة.
وذلك كله بالتوازي طبعا مع الجهود اللوجستية المضنية التي يبذلها كقائد سياسي وحركي.. ومن موقعه كرئيس للجنة العسكرية والأمنية في المحافظة للإشراف على وضعها ومجهودها الحربي في سياق وعيه الذاتي والمتقد بحجم المخاطر العدوانية المتربصة بمحافظته المكلومة بجحود أبنائها.. وإدراكه المتقدم لأهمية العمل على صون أمنها وسيادتها واستقلالها.
والأمر الأهم هو أنه لا يزال هو ذاته.. الرجل الذي عرفته بشكل شخصي ووثيق منذ ما يربو على عقدين زمنيين ونيف.. وكان حينها يشغل وظيفة مساعد أو نائب لقاضي التنفيذ بمحكمة شرق تعز الكائن مقرها آنذاك في حي عصيفرة في نطاق الشمال الغربي للمدينة.. وكنت حينها كعضو لجنة مركزية للحزب الاشتراكي اليمني، مشدوها بثبات مواقفه السياسية والفكرية المبدئية المناوئة بشدة لديكتاتورية الرئيس الراحل/ علي عبدالله صالح.. في ظاهرة كانت تعد نادرة بحق.. وبالذات خلال تلك الحقبة المضطربة والمشوهة من تاريخنا الوطني الحديث التي كان يشكل فيها القضاء إحدى الأذرع الرئيسية القمعية والملوثة بفساد وعنجهية حكم الرئيس صالح.. والمؤسسة الأكثر نفعا وموثوقية في بنيان نظامه الاستبدادي.
الأمر الذي جلب للمساوى الكثير من الويلات الانتقامية والقمعية.. بدءا من مظاهر التهميش والازدراء الذي طال موقعه وجانبه الوظيفي «كقاض في سلك القضاء» وفي منصب كان يمكن أن يفتح له باب النعمة والثراء الشخصي لو أنه فقط «رخى طبعه» للنظام وبادر باعتمار قبعة الفساد والرذيلة كما هو حال الغالبية العظمى من أقرانه في السلك القضائي الذي لا يزال على حاله حتى اللحظة وعلى امتداد المشهد الديموغرافي الوطني فاقدا لأبسط شروط المصداقية كمؤسسة عدلية وقضائية يشوبها الفساد والريبة والانحطاط.
ما جعل من المساوى القاضي الوحيد ربما من بين جميع أقرانه التواق بيأس لاكتساب حق العدالة والإنصاف القانوني والإنساني.. بالنظر إلى تواتر أعمال القمع والتهميش التي ظلت تطاله بانتظام بدرجة لم يسلم معها لا أمنه الشخصي والأسري.. ولا حقوقه الوظيفية.. ولا حتى ممتلكاته الشخصية البسيطة.. مثل سيارته الجيب المتواضعة والتي ركنها ذات ليلة هادئة عقب الانتخابات التشريعية 2003م، بحسب ما أتذكر أمام المنزل المستأجر الذي كان يعيش فيه مع زوجته الراحلة وأطفاله في حي حوض الأشرف وسط مدينة تعز.. لتتبخر في لحظة مبهمة ومظلمة كان التجوال خلالها يعد حقا وامتيازا حصريا بأشاوس الأمن السياسي فقط كحماة مفترضين للأرض والإنسان والوطن والأعراض.
وليبدأ معها عناء القاضي أحمد المساوى ما بين اضطراره اليومي والقسري للتنقل وقضاء مشاويره ما بين المنزل والوظيفية عبر استئجار الموتوسيكلات المتهالكة في أغلبها «كسحنة البلاد ذاتها» وما بين تعايشه القهري مع أبجديات الضيم والإجحاف والتهميش الوظيفي التي لم تتوقف.. وبين هواجس الأمن الشخصي والأسري التي تنتابه بصفة دورية ومستمرة.. وخصوصا مع رنين هاتفه المحمول شبه الدائم بالأرقام المجهولة والمحجوبة غالبا التي كانت ترده بين الحين والآخر بلغة منذرة ومتوعدة بالويل والثبور، إن لم يعد إلى رشده.
اليوم المساوى يتربع سدة المسؤولية التنفيذية الأولى لأهم المحافظات اليمنية وأكثرها تأثيرا وكثافة بشرية، لكنه لا يزال كعادته يجيد التجوال أكثر من إجادته لارتداء ربطات العنق المزدانة والملونة أو اقتناء البدلات الإفرنجية الفارهة.. فهو رجل مكرس للتجوال الدائم.. سواء خلال تلك الحقبة المضنية التي كان تجواله فيها يشكل نوعا من الهروب القسري من اضطهاد حاكميه من جلاوزة القمع الأمني والسياسى أو تجواله الحالي المكرس بصورة لا يمكن دحضها أو إنكارها للسهر على أمن وراحة ومصالح رعاياه كمسؤول تنفيذي أعلى.. جسد بجلاء ملهم المعنى التقدمي والعميق للمسؤولية.
وتلك بالتأكيد من السمات الثورية النادرة التي ميزت المساوى خلال أغلب سني حياته وعطائه ونضاله الدؤوب واللامتناهي.. وهي السمة التي وبقدر نقائها وألقها ومردودها المثمر على صعيد الحياة المجتمعية والعامة في المحافظة، بقدر ما تعد في الوقت ذاته من الخصال الجالبة للنحس بالنسبة لحامليها ولمن حوله، لأن أمثال المساوى لا يدومون.. فهم الأكثر عرضة لنقمة الفاسدين والناقمين والحاسدين المتغلغلين في مراكز صنع القرار الأولى.. بصورة لا تزال ماثلة في ذاكرتنا من خلال تراجيديا التعامل المسبق الذي طال زعماء وطنيين امتازوا بنفس القدر من النقاء والتصوف الثوري والظفر.. كالشهيدين إبراهيم الحمدي وعبدالفتاح إسماعيل والسلال.. وغيرهم.. ممن دفعوا حياتهم وأرواحهم ودماءهم ثمن إخلاصهم للوطن والشعب.
وهي تراجيديا تجعلني أبتهل للقدير ألا تطال هذه المرة نبراس الحداثة المتقد لمحافظة تعز.. القاضي والثوري والإنسان المشحون بعظمة الثورة الوطنية ووقارها.. القاضي أحمد أمين المساوى.. أمده الله بالظفر والعمر المديد.










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي