«شرق أوسط صهيوأمريكي انبطاحي جديد» لم يعد أمرا مرجحا بالتأكيد
- محمد القيرعي الأثنين , 4 مـايـو , 2026 الساعة 12:27:49 AM
- 0 تعليقات

محمد القيرعي / لا ميديا -
تشير مرويات الإنجيل الدينية في «سفر التكوين العهد القديم» إلى أنه وفي العصر البرونزي، وتحديدا في حوالي العام 1650 قبل الميلاد، وعد الرب نبيه إبراهيم بألا يدمر قريتي «سدوم» و«عمورة»، الواقعتين في غور الأردن على مشارف البحر الميت المحاذية لـ«أورشليم» إذا جاءه منهما بعشرة رجال بررة وصالحين، وبالطبع، فقد أخفق نبي الله إبراهيم في تنفيذ طلب الرب لشحة وجود الصالحين في رحابهما، ما حدا بالرب، وبعد أن أوعز لرسوله «لوط وبنيه» بالمغادرة إلى إمطار القريتين «كبريتا ونارا»، مهلكا بذلك الحرث والنسل والبشر وكل مظاهر الحياة فيهما هلاكا تاما مشحونا بغضب الله وسخطه.
اليوم يبدو أن تاريخ ونبوءة «سدوم» و«عمورة» يعيدان إنتاج نفس أسباب دمارهما وزوالهما الوجودي، كونهما من المواطن التاريخية ذات الإرث والوجود والرجس اليهودي، ولكن هذه المرة على يد أتباع الرب الحقيقيين ومريديه المخلصين، الصامدين والمرابطين بثبات المؤمنين الحقيقيين من إيران إلى لبنان والعراق وفلسطين واليمن، في مواجهة ذات الفسوق والرذيلة اللتين أغضبتا الرب في العصر البرونزي، والمتمثلة في الغي والجبروت والغطرسة الصهيوأمريكية التي طغى وزرها وجورها وطفحها على شعوب منطقتنا العربية والإسلامية الثكلى، بدرجة لم يعد في الإمكان القبول بها أو التعايش معها.
فـ«إسرائيل» التي فقدت على أيدي بواسل المقاومة الفلسطينية (شبه العُزل من كل تقنيات الأسلحة الحديثة والمتطورة والفتاكة) هالتها المصطنعة كـ«قوة لا تقهر» على وقع صليات «طوفان الأقصى» المظفر الذي صب عليها حممه الهادرة والمزلزلة في السابع من أكتوبر 2023م، احتاجت إلى قرابة عامين كاملين على وجه التقريب، لصب كامل مخزونها الأخلاقي من الجريمة المخضبة بأسوأ وأحط أشكال البربرية والهمجية اللامتناهية اللتين استخدمتهما بإفراط ضد نساء وشيوخ وأطفال ومدنيي غزة، وعلى مرأى وأسماع العالم أجمع في محاولة يائسة لاستعادة هالتها وكرامتها العسكرية المفقودة والمقوضة على أيدي بواسل المقاومة الحماسية والفلسطينية.
كما أن الحال ذاته ينطبق أيضا بصورة أو بأخرى على صانعتها وراعيتها الرئيسية (أمريكا) التي لا تزال عاجزة حتى اللحظة، ومنذ عقود زمنية مضت، عن مداواة ندوبها القومية والاعتبارية الغائرة كـ«قوة عظمى أولى مفترضة في العالم»، جراء مغامراتها الإخضاعية والاستقوائية الفاشلة ضد شعوب العالم الحرة والمستضعفة، بدءاً من نكستها المريرة في جنوب شرق آسيا (فيتنام، كمبوديا، لاوس) خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وصولا إلى آخر هزائمها النكراء والمذلة التي منيت بها على أيدي مقاتلي طالبان؛ الأكثر فقرا وبدائية وتخلفا تقنيا ومعرفيا، ربما من قبائل الزولو الأفريقية المتوحشة، وانتهاء بالهزيمة المنكرة التي مني بها مؤخرا مشروعها العدواني والإخضاعي المشترك مع ربيبتها «أورشليم» ضد إيران وشعبها الصامد والمقاوم.
الأمر الذي ينعكس بجلاء في الوقت الحالي من خلال ذلك التبدّل الجوهري الملحوظ والحاصل في بنية المواقف السياسية العدائية بالغة التطرف لطرفي العدوان الرئيسين، تحديدا أمريكا و«إسرائيل» واللذين انتقلا من حالة الويل والثبور المتوعد بتقويض كل أسس النظام الثوري الإيراني إلى مرحلة البحث المضني عن حلول دبلوماسية تحفظ لهم على الأقل ماء وجوههم المثقلة بمشاعر الهزيمة والإخفاق الذي تبرز معالمه بوضوح، ليس فحسب من خلال فشل مشروعهم العدواني ذاك في تحقيق أي من أهدافه الاستراتيجية المعلنة على الأرض لحظة إطلاق قذائفهم العدوانية الأولى، سواء ذلك الشق المعلن عنه كأحد الأهداف الحربية الرئيسية والمتمثل في سعيهم الحثيث لاحتواء النفوذ الإيراني الإقليمي المتوسع باطراد، عبر السعي لتقزيم دور وحضور وتأثير حلفائها من قوى وتنظيمات ثورية متنامية في المنطقة كحزب الله وأنصار الله وحركة حماس.. وغيرها، إلى الفشل ثانياً في بسط السيطرة الإقليمية والدولية التي وعدوا بها على مضيق هرمز المائي الحيوي المطل على إيران، كواحد من أهم المنافذ البحرية في المنطقة والعالم، وانتهاء بالفشل الكلي في تحقيق هدفهم الرئيس والمتمثل بمحاولة استهداف وتقويض القدرات العسكرية واللوجستية الردعية الإيرانية بالتوازي مع محاولة العدوان لإحداث تغيير حقيقي كانوا يأملونه في مفاصل النظام السياسي والمجتمتي الإيراني.
بالإضافة إلى الفشل الأبرز، والذي يكمن من وجهة نظري في طبيعة النتائج غير السارة بالنسبة لجلاوزة العدوان وأعوانهم، والتي أفرزتها مغامرتهم الفاشية وغير المبررة، بالنظر إلى طبيعة التغييرات والتطورات الجمة الناشئة على صعيد المنطقة ككل، والتي عمقت دون مواربة من عمق المأزق الحالي والمستقبلي الذي يتجرعه الغزاة، لعل أبرزها بروز تلك الهشاشة الواضحة والجلية في بنية التحالفات الانبطاحية الخليجية المعتمدة أساسا على الحماية العسكرية والأمنية الأمريكية التي لم تعد فاعلة، إن جاز التعبير، ما يعني انتفاء فاعلية (التحالف الأمريكي -الخليجي -«الإسرائيلي») بصيغته التقليدية في مواجهة المد الثوري المتنامي في المنطقة الذي يشكله المحور المقاوم بصورة لا يمكن إيقافها.
وهذا هو السبب الذي حدا، ربما، بثنائي العدوان المتصهين (ترامب -نتنياهو) إلى إطلاق العديد من الدعوات والتصورات المتعلقة بضرورة السعي لإعادة تشكيل خارطة المنطقة العربية والإسلامية بطريقه موائمة ولو في حدودها الدنيا لتطلعاتهم الإخضاعية ولمشاريعهم الاستعمارية والإخضاعية طويلة الأمد، وهي دعوات ممسوسة بالوهم العبثي من منظوري الشخصي، كونها أطلقت في مرحلة زمنية حساسة باتت شاهدة على تفكك وجودهم الاستعماري في المنطقة لصالح صعود منطق القوة الثورية المتنامي لمحور مقاوم يأبى الانصياع لكل شروط وإملاءات التعايش مع أوهام الانحطاط والعمالة المعتادة كنمط انبطاحي تقليدي يحكم بثبات سير ووجهة أغلب أنظمة الحكم الخليجي والعربي الرجعي على امتداد تاريخها الوجودي المخزي والمخجل.
إذن.. فعن أي «شرق أوسط جديد» يأمل كل من ترامب ونتنياهو على أرضية لم تعد ملائمة البتة كما كانت، لفرض أجنداتهم الإخضاعية والتي تحولت مع المدى إلى أحد أبرز المحفزات المادية لتوسيع البؤر الثورية المقاومة لوجودهم الآيل للزوال في المستقبل القريب لا محالة؟










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي