«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 119
- مروان ناصح الأحد , 10 مـايـو , 2026 الساعة 12:53:22 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
البائع المتجوّل.. شاعر الحارات الشعبية
في أزقّة الحارات الشعبية، حيث تختلط رائحة الخبز الطازج بنداءات الباعة وضحكات النسوة، يظهر البائع المتجوّل كنسمة صباح تتهادى على أرصفة الذاكرة.
عربته الصغيرة ليست وسيلة رزقٍ فحسب، بل جسر بين الناس ودفء الحياة اليومية.
كلُّ جولةٍ له أشبه بموعدٍ مع النبض. وكلّ نداءٍ لحن يتعالى في باحات الصباح.
الاستعداد للجولة
يستيقظ باكراً مع ظلال الشمس. يسكب الماء على وجهه كمن يغتسل من غبار الليل، ثم يهيّئ عربته: يرصّ الخضار والفواكه كما تُرصّ الأحلام، في صناديقٍ من نور، يُهيّئ مسرحاً لعشّاق الجمال. لكل نوع مكانته في القلب، ولكل اسمٍ لون منغم من النداء.
بداية الجولة
ينطلق في الأزقة المبلّلة بندى الصباح، ينادي بصوته الذي يشبه الناي الريفي: طماطم طازة! خيار أخضر! تفاح الزبداني يا حلو...
تخرج الأصوات من حنجرته كأنها موسيقى تصحو عليها المدينة.
يُطلّ الأطفال من النوافذ، تبتسم النسوة، ويهتزّ اليوم في بدايته مثل قلبٍ بُشّر بالفرح.
لقاء الزبائن
تتجمّع حوله الوجوه المألوفة: "أمّ محمود" تبحث عن الطماطم الصغيرة، "أمّ سامر" تساومه بخفةٍ ومرح، وطفلةٌ تمدّ يدها خلسة إلى تفاحة...
يعرف الجميع ويعرفونه، ويعلم أن البيع ليس ميزاناً بين سلعةٍ ونقود، بل حوار دافئ بين القلوب. في حديثه نكتة، وفي عينيه بريق مودةٍ تزرع الألفة بينه وبين الزبائن.
فلاش باك.. ذكريات
الحارات القديمة
حين تتباطأ خطواته بين الأزقة، يطلّ عليه وجه أبيه من عمق الذاكرة.
كان صغيراً، يركب خلفه على العربة، يصرخ بالنداءات نفسها، ويتعلّم منه أن التجارة ليست جمع نقود، بل جمع محبة. كان الأب يقول له: من يبع بابتسامة لا يخسر زبوناً مهما تغيّر الزمان.
واليوم، حين يكرر النداء ذاته، يشعر أنه يواصل نشيداً قديماً، ورثه كما يرث الشاعر بحوره وأوزانه.
تحديات الطريق
تمطر السماء أحياناً بلا رحمة، أو تلسع الشمس وجهه حتى يذوب العرق في عينيه؛ ومع ذلك يبتسم.
الطين تحت قدميه لا يثنيه، فهو يعرف أن الشوارع -مهما اتسخت- تقود دائماً إلى قلوبٍ نظيفة تنتظره.
يُصلح عجلات عربته بيده المتشققة، ويقول لنفسه: الطريق مثل الزبائن.. يحتاج صبراً ووداً ليُعطيك خيره.
مواسم البهجة والعروض
في الأعياد، يتحول إلى فنانٍ تشكيليٍّ في الهواء الطلق: يعلّق الفواكه في سقف العربة كالفوانيس، يصفّ الخضار بألوانٍ تتدرّج من لهفةٍ إلى فرح.
تمرّ النسوة والأطفال من حوله كأنهم في معرضٍ للرائحة واللون.
وفي عينيه تتلألأ فرحةُ اللقاء بالزبائن كأنهم بشائر عيد.
يقول أحد الجيران ضاحكاً: لو تركوه يوماً بلا بضاعة، لباعنا الضحكة وحدها.
نهاية اليوم
مع الغروب، يعود ببطء، كما يعود العازف بعد آخر نغمة.
يلمّ بضاعته المتبقية، ويجلس أمام بيته على كرسيٍّ خشبيٍّ قديم. يتأمل الشارع وقد سكن، يسمع صدى صوته الصباحي في ذاكرته، فيبتسم.
ما جمعه من غلة لا يهمّه، بقدر ما جمعه من وجوهٍ طيبةٍ وكلماتٍ دافئة.
يعرف في قرارة نفسه أنه لو اختفى الغناء من العالم لظل هو نغمة الحياة المتنقلة بين الناس.
خاتمة:
البائع المتجوّل ليس تاجراً صغيراً عابراً للحارات وكفى، بل هو شاعرٌ شعبيٌّ يكتب أبياته ببطٍّ من الطماطم الحمراء، والخيار الأخضر، وورقٍ من النعناع، ولونٍ من الفاكهة المضيئة.
عربته أغنية تكرج على عجلات من أمل ومحبة، تتعاقب عليها فصول الحياة: فرحٌ، تعبٌ، أملٌ، وحنين... ويبقى هو ذاكرة الأزقة حين تنسى، ودفء البيوت حين ترضى.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح