«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 135
- مروان ناصح الأثنين , 29 يـونـيـو , 2026 الساعة 1:36:18 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الحارس الليلي.. ظلّ يمشي وبندقية تلمع وصفارة للخطر
كان الليل في الزمن الجميل ينزل على الحارات كعباءة واسعة من السكون، فتنسحب الأرواح إلى بيوتها، ويستقر النور خلف النوافذ الخشبية.
وفي الساعات التي يضعف فيها ضوء القمر وتزداد ظلال الأزقة طولًا ورهبة، كان يظهر رجل يعرفه الجميع، رجل يلبس بدلة شرطة، ويحمل بندقية طويلة، يجوب الطرقات، لا ليخيف أحداً، بل ليُطمْئن مدينة بأكملها.
ذاك هو الحارس الليلي؛ صديق العتمة، وخصم اللصوص، وأول حائط آمن تستند إليه المنازل والأسواق، وهي تغفو.
الحارس ورائحة الليل الأولى
يمشي في بدايات الليل بين الأزقة، يخطو بخفّة لا تعني خوفاً، بل تعني أنه يعرف كيف يُصغي.
تُصدر خطواته في الحارات صدى خافتاً، كأن الشوارع نفسها تُومئ له بالتحية.
ومن نوافذ البيوت، يمرّ صوته الهادئ كبشارة أمان، فيهمس الأطفال تحت اللحف: "لقد مرّ الحارس.. الآن نستطيع النوم".
نجوم صغيرة تتوزع في الظلام
لم يكن واحداً، بل كانوا كثراً، ولكل واحد حارته وسوقه ومساحته الليلية.
يقفون كأنهم نقاط مضيئة موزّعة على خارطة المدينة، فإذا انطلقت صفّارة أحدهم ارتجفت تلك النجوم واشتعلت بالحركة. كان كل حارس يعرف حدود زميله كما يعرف حدود قلبه.
بندقية للهيبة.. لا للقتل
يحمل الحارس بندقية قديمة، لا ليطلق منها الرصاص، بل ليجعل لها حضوراً يشبه حضور التاريخ نفسه.
كانت البندقية في يده تُشعر اللصوص بأن الليل ليس خالياً تماماً، وأن هناك عيناً ساهرة تراقب كل ظل غريب.
صرخة ضوء في وجه الظلام
الصفارة هي سلاحه الحقيقي. صفّارة حادّة يطلقها حين يشعر بحركة مريبة.
لا يسمعها واحد فقط، بل يسمعها الحراس في الحارات المجاورة، فيهبّون استجابة لاتفاق غير مكتوب.
كانت الصفارة أشبه بصرخة ضوء، تقسم الليل نصفين: نصفاً آمناً، ونصفاً يتوارى فيه اللصوص.
الكولبة.. بيت صغير لراحة قصيرة
في منتصف الليل، حين يثقل التعب على أكتافه، يلجأ الحارس إلى كوخه الخشبي الصغير، "الكولبة"، أو المحرس.
يقف داخله لحظات يستعيد أنفاسه، ويُخرج رأسه بين حين وآخر ليتأكد من أن الليل ما زال كما تركه.
كانت "الكولبة" صغيرة، لكنها بالنسبة له محطة يتذكّر فيها أنه بشر، وأن الراحة جزء من الشجاعة.
نار "التنكة".. دفء يطرد تصلب العظام
في الشتاء، حين يقرص البرد أطرافه، يشعل ناراً في تنكة حديدية، كانت تستخدم بالكاز أو الزيت.
تتوهج النار داخلها كأنها قلب صغير يخفق في ظلام الشارع. يمدّ يديه نحوها، فتنعكس ألسنتها على بدلته الرسمية، وتلوّن وجهه بوهج يتبدل بين الأحمر والذهبي.
تلك النار كانت رفيقته الأشهر. لا تسأله شيئاً، فهي أيضا حارسة له من اعتداءات الثلج، وظلم الريح الباردة.
خاتمة:
الحارس والمدينة، علاقة من نوع خاص. كان يعرف سكان الحارة واحداً واحداً: مَن يعود متأخراً، مَن يغلق بابه مرتين، مَن ينسى قفل دكانه، ومَن يملك قطة تثير الضوضاء ليلاً.
لم يكن مجرد عسكري، بل ذاكرة متحركة تمشي ببطء في الليل، وتختزن في عينيها قصصاً لا تنام.
وإذا حدث ما يستدعي النجدة، كان أوّل من يصل، كأنه ابن لكل بيت، وصديق لكل خوف.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح