مروان ناصح

مـــــــروان نــاصـــح / لا ميديا -
صانع الآلات الموسيقية.. ساحرُ الإيقاع وحارسُ نبض الحياة
في الأزقّة التي ينام فيها الغبار على العتبات، وتتعانق فيها الأصوات القديمة مع خطوات العابرين، كان صانع الآلات الموسيقية يجلس على بابه الخشبي، كحارسٍ على بوّابة الزمن.
لم يكن مجرّد حرفيّ يدقّ الخشب أو يشدّ الجلد، بل كان صائغ نبض، ينحت الصوت كما يُنحت تمثالاً من الريح، ويصوغ الموسيقى من شظايا اليوم ومباهجه.
ذلك الرجل عرف سرّ الناس: أن الحياة بلا إيقاع، كجسدٍ بلا قلب.

خشبٌ ينطق.. ويدٌ تتذكّر
كان الحرفي يختار خشبهُ كما يختار الشاعر كلمته الأولى؛ يتشمّم اللوح، ينقره بإصبعه، ثم يقرّب أذنه كأنه يصغي لهمسٍ خفيّ.
كان يعرف أيّ جذعٍ يصلح للطبل، وأيّ قطعة تحتضن العينين الدامعتين للعود.
كل ضربة إزميل منه تشبه رشقة مطر على نافذة قديمة؛ توقظ الذاكرة من نومها.

ورشةٌ تشبه معبداً صغيراً
داخل ورشته، تتدلى الجلود، وترقد الأخشاب، وتمتدّ الأوتار كخيوط فجرٍ في طور الولادة.
تختلط رائحة الخشب المبتلّ بدخان القهوة، وتتجاور المسامير والفرشاة مع نبرة صوته الخافتة وهو يحدّث نفسه: "لكل آلةٍ مزاج، ولكل مزاجٍ لحن".
هكذا تتحوّل الورشة إلى معبدٍ للإيقاع، لا يُصلّى فيه إلا بالمطرقة والسكين والريشة.

 الطبل والدربكة والدفوف: قلوبٌ 
تخفق بجلدٍ ويدين
يبدأ الطبل بجلد ماعزٍ يُشَدّ فوق فوهةٍ خشبية، يشدّه الحرفي كما تُشدّ الخيمة قبل العاصفة.
وحين يقرع بإصبعه تولد الدقّة الأولى: نبضة حياة.
وإلى جانبه ترقد الدربكة: كأسٌ طيني أو معدني يلمع بنبرةٍ حادّة، يقود الراقصين كالشرارة الأولى في موقد الفرح.
أما الدفوف فهي ظلّ الإيقاع؛ دوائر خفيفة تهتزّ بين أيدي النساء، فتُولد من هزّاتها الزغاريد، وترافق البحّارة كأمٍّ تربّت على أكتاف أبنائها.
ليس هذا قرعاً، بل لغةٌ قديمة تتكلّم بها الجماعة، حين تريد أن تعترف بفرحٍ أو تخرج من حزن.

الناي.. أنين الريح في قصبةٍ وحيدة
يمسك الصانع القصبة الرفيعة فينظر إليها، كما ينظر الراهب إلى مخطوط مقدّس.
يفتح ثقوبها بدقّة، ويجسّها بشفتيه قبل أن يسلّمها للهواء.
وحين يعزف الناي، يتكلّم بصوتٍ لا يشبه البشر.
هو آهة الريح حين تعبر حقول القمح، وأنين القلب حين لا يجد من يصغي إليه.

العود.. سيد الخشب والوتر
يصنع الحرفي ظهر العود من أضلاعٍ رقيقة كقشرة قمر، ويشدّ أوتاره بنَفَسٍ يشبه الدعاء.
وحين يمدّ يده يختبره، يسمع من داخله سِرّ الشرق؛ ذلك الصوت الذي يرقص بين الحزن والفرح.
فالعود ليس آلة، بل ذاكرةٌ موسيقية، تحفظ قصائد الأمس، وأغاني الأمواج، ونداءات المسافرين.
وما أجمل تلك اللحظة حين يوقّعه العازف بإصبعين، فتنهض الأوتار كخيلٍ مطهمة كانت تنتظر إشارة الانطلاق!

صانعُ الآلات.. حكيمٌ يضبط مزاج المدينة
لم يكن دور الحرفي صناعة آلاتٍ تُباع؛ بل صناعة مزاجٍ يُعاش.
كان يعرف متى يحتاج الحيّ إلى طبلٍ يُعيد إليه حرارة الأفراح، ومتى يحتاج للدفّ كي يربّت على كتف الحزن، ومتى يحتاج الناي ليقول ما عجزت عنه الألسنة.
لقد كان حكيماً يداوي الناس بالأصوات كما يداوي الطبيب بالترياق.

موسيقى الجماعة.. وطقوس الحياة
قبل أن تغرب الشمس على الأعراس، يعلو الطبل.
قبل أن يرفع البحّار شراع المركب، يُغنّي الناي.
قبل أن تبدأ رقصة الكبار والصغار في الساحة، تتصدّر الدربكة.
كانت الموسيقى نظاماً اجتماعياً أكثر منها فنّاً؛ تجمع حين تتفرّق الأيدي، وتواسي حين يثقُل القلب، وتذكّر الناس بأنهم جزءٌ من لحنٍ أبدي يشمل الوجود.

خاتمة:
رحل كثيرون من صناع الإيقاع، وبقي بعضهم مثل آخر حرّاس الزمن الجميل، يجلسون في ورشٍ نصف مظلمة، يطرقون الخشب كما يطرق القدرُ أبواب الحياة.
لكن آلاتهم ما تزال تعيش بيننا، في فرحٍ يرتفع، أو موّالٍ يطول، أو قصبةٍ تبكي وحدها على سطح بيتٍ في ليلة صيفية.
لأن الموسيقى، في النهاية، ليست أدوات؛ بل هي الطريقة التي يتذكّر بها الكائن أنه إنسان!

أترك تعليقاً

التعليقات