«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 139
- مروان ناصح الأثنين , 6 يـولـيـو , 2026 الساعة 8:04:08 PM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الشرباتي.. صانع الفرح السائل في أكوابٍ من ضوء
لم يكن الشرباتي في الزمن الجميل مجرد بائع عصير، بل كان موسيقيّاً يعزف بالألوان، وشاعراً يقطّر الحلاوة من الفاكهة، ورجلاً يعرف سرّ الصيف وسرّ العطش، وسرّ ابتسامة الطفل حين تلتفّ يداه على الكوب البارد.
كان يقف خلف طاولته العالية، يلمّعها بقطعة قماش كمن يلمّع مرآة الذاكرة. يشرع يومه بمباركةٍ من البرتقال والرمان والليمون، فيتحوّل المكان كله إلى صيفٍ صغير داخل زجاجات زاهية.
حين يفطر بالضوء
قبل الفاكهة
يبدأ يومه قبل الزحام. يفتح الصناديق الخشبية برفقٍ يشبه فتح كتابٍ قديم.
يمسح على خدّ التفاحة كمن يوقظ طفلاً من نومه، ويشمّ الرمان ليطمئن إلى أنه "ممتلئ بالبهجة"، ثم يرتّب الفاكهة أمامه كلوحةٍ مرقّطة بالأمل.
كان يؤمن بأن العصير الجيد يبدأ بتحية صادقة للفاكهة. ولذلك كانت أكوابه دوماً تحمل طعماً من روحه.
أسرار لا تُكتب، بل تُذاق
كان لكل شرباتي سرٌّ لا يبوح به؛ لكن شرباتينا كان كالعطار.
يعرف أن نقطة ماء زهر قادرة على رفع كأس الليمون إلى مقام الغناء، وأن رشّة نعناع كفيلة بجعل عصير الليمونادة "عطلة قصيرة من الحر".
وكان إذا صبّ العصير، جعل اليد تتمايل مع الإبريق كراقصٍ يعرف إيقاعه، فتتراقص القطرة قبل أن تستقر في الكوب، ويشعر الزبون بأن المشهد كله نغمة من المتعة.
مملكته الصغيرة.. ألوانٌ تشبه ضحكات الأطفال
دكّانه، على صغره، كان أجمل من رفّ حلويات: صناديق الفاكهة تتوهّج مثل فسيفساء، أصوات الثلج المتكسر تحت السكين موسيقى منعشة، والأكواب الزجاجية مصطفّة كجنودٍ من البلّور، ينتظرون أمر السعادة.
حتى المارة، حين يمرّون، كانوا يشمون من بعيد رائحة البرتقال، فينتعش العمر للحظة.
قلبه أكبر من أكوابه
لم يكن الشرباتي بائعاً فحسب؛ كان يعرف قصص زبائنه تقريباً مثلما يعرف ثمار فاكهته.
حين يأتي عامل مرهق، يضع له العصير في كوبٍ واسع ويقول: "هذا لنهارك الطويل".
وحين تأتي فتاة صغيرة، يضيف قطرة شربات، ويقول لها: "هذه هدية من الشمس".
أما كبار السن فيقدّم لهم الكأس بيدَين اثنتين احتراماً، وكأنه يقدّم عمراً من الفضل لا شراباً فحسب.
طقوس الصيف..
فرح يسيل على الأرصفة
في الظهيرة، حين يشتدّ الحر، يتحوّل دكّانه إلى واحة صغيرة، وإلى خيمة إنقاذ من العطش.
يأتي الناس من مختلف الأزقة، يطلبون عصير التفاح ينساب مثل ماء بارد في الروح، أو ليموناضة تهدهد الشمس المتوحّشة.
كان يقول وهو يمسح العرق عن جبينه: "الحرُّ نعمة؛ لأنه يجعل العصير ألذ".
النظرة الفنية.. كيف يصنع من الكأس لوحة؟
أجمل ما كان يفعله هو لحظة تزيين الكوب: ورقة نعناع تميل برشاقة، شريحة ليمون تبتسم على الحافة، وتلويحة صغيرة بقشة ملونة.
كان يؤمن بأن العين تشرب قبل الفم، وأن المتعة لا تكتمل بلا لمسة جمالية، ولهذا كان كوبه أحياناً أجمل من المشهد نفسه.
خاتمة:
كان الشرباتي في الزمن الجميل، يشبه نافذةً تُفتح في روح المدينة، تمرّ منها نسمات الفاكهة والفرح والبراءة.
لم يكن يبيع شراباً، بل كان يبيع لحظة انتعاش، وقطعة صغيرة من الطفولة، ونكهةً تجعل اليوم أقلّ تعباً وأكثر ابتساماً.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح