محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
هل يمكن اليوم لبعض القوى المتحذلقة إيهام العالم وتضليل الداخل والخارج بالسير الوهمي إلى الأمام بطريقة مشحونة بالخوف من السير نحو مستقبل إنساني آمن ومتساو ومتكافئ؟ إن هذا ما يحدث فعلا اليوم في بلادنا، على صعيد قضايا المهمشين وتطلعاتهم المدنية، بصورة تكشف زيف الساسة والحكام والحقوقيين ومنظري الحداثة المدنية والديمقراطية على حد سواء، جراء خيانتهم المفضوحة لمبادئهم وشعاراتهم الحداثية وللمثل المدنية والإنسانية على وجه العموم.
وهو أمر يمكن إدراكه بوضوح من خلال الإمعان بموضوعية تحليلية فاحصة بفحوى الدعوات والتصورات البرنامجية المبتدعة (وغير المنطقية أصلا) والمروجة على نطاق واسع حيال مساعدة "المهمشين" لتمكينهم من الارتقاء بحياتهم وبمستواهم المعيشي والإنمائي والعلمي والمعرفي... إلخ، وذلك من خلال ترويج جملة من المبادرات العبثية والهلامية المراد من ورائها تعويم قضايا وتطلعات "المهمشين"، وإدخالها في متاهة من البرامج والتصورات العقيمة وغير النفعية بالأساس، والتي وجدت لها نوعا من الصدى والحماس والتجاوب المفرط أحيانا، ليس فحسب في نطاق منظماتنا وجمعياتنا "السوداء"، وإنما أيضا، وهذا هو بيت القصيد، لدى العديد من الجهات والمنظمات والهيئات الدولية المانحة والمعنية أساسا بقضايا التمييز والعنصرية ومكافحة الفقر والتخلف والأمية في البلدان النامية والمتعثرة، والتي تخصص في الواقع ميزانيات مالية مهولة وجهود عملية مبذولة لتنفيذ برامج عبثية لا ترقي في الواقع إلى مستوى تحديات المعضلة العنصرية ذاتها ومتطلبات التصدي لأبجدياتها وأدواتها الإلغائية.. على غرار ما يسمى "برامج الدمج الاجتماعي" المحمومة والمتنوعة، التي تستهدف على حد زعمهم إدماج الفئات "المهمشة" (أخدام اليمن) في محيطها الاجتماعي والوطني.
تحقيق الدمج الاجتماعي لـ"المهمشين" مع المحيط الاجتماعي من حولهم، هكذا دفعة واحدة، وبين عشية وضحاها، وعبر القفز (اللامنطقي أصلا) فوق جميع المراحل المظلمة لعصور الاستبداد العرقي والطبقي السابق على ميلاد عقيدة الإسلام ذاتها التي يتشدقون بمبادئها السامية، والممتد عمليا لما يقرب من 15 قرنا زمنيا مضى بكل ما خلفه هذا العصر الاستبدادي -العبودي المظلم والمخجل من نتائج كارثية ومفجعة تطال كل مناحي الحياة المدنية والمعيشية والإنمائية والتعليمية والفكرية لضحاياها التقليديين (نحن معشر أخدام اليمن)، وبصورة لا تزال تؤثر سلبا وبعمق على حاضرهم ومستقبلهم المعتم، كما ماضيهم المخضب بدمائهم وعرقهم ودموعهم، الأمر الذي يستشف من ورائه وجود نوايا وطنية جمعية مبيتة وبأشكال مبطنة ومنمقة من قبل جميع المعنيين في منظومة العمل السياسي والمدني في الداخل الوطني لتضليل الرأي العام الدولي بهدف وأد وإجهاض التطلعات التحررية المدنية لضحايا الاستبداد العنصري التاريخي الموروث.
كما أنها تنم من ناحية أخرى بالنسبة للجاهلين والغافلين ومن مكنونها الخفي عن إشكالية عدم فهم لحتميّة التغير والتطور المدني والإنمائي والديمقراطي الجمعي والمفترض بدأها من القاعدة صعودا حتى القمة، وفق خطط موضوعية وعقلانية تتماشى مع منطق التطور المادي والجدلي المحتوم كأساس علمي منهاجي دقيق لعملية التاريخ والتطور البشري والإنساني السليم.
لقد هللوا جميعا وبغباء واستهبال مفرط للجهود والبرامج المبذولة والمروجة حول ما أسموه "تحقيق الدمج الاجتماعي للمهمشين" مع المحيط الاجتماعي والوطني العام، لكنهم لم يخبرونا كيف سيحققون هدفهم التكافلي المزعوم ذاك، مثلما لم يحددوا لنا، أيضا، ماهية السبل الكفيلة بانجاح هذا المسعى التكاملي على الصعيد الاجتماعي؟ وما هي نوعية الطرق والوسائل المتخذة لتحقيق أمر يتعدى في الواقع حدود الخيال العلمي؟ كونه يتخطى في الأساس بكثير مراحل التطور المحكومة بقوانين التطور المادي التحليلي التي تحكم سير حركة التاريخ والتطور البشري، وحركة تطور الكون بأكمله.
وقبل أن أبدأ بتفنيد وتعرية هوسهم التكافلي واللامنطقي ذاك في تحقيق "الدمج الاجتماعي" المزعوم، دعوني أشير هنا إلى واقعة مشابهة، ففي مؤتمر الثقافة العالمية الذي انعقد في العاصمة الكوبية هافانا عام 2002، وفي خطابه الافتتاحي لتلك الفعالية، أشار الرفيق القائد فيدل كاسترو إلى أن طبقة الزنوج الكوبيين (الذين يشكلون تقريبا نصف القوام العددي للمجتمع الكوبي) لا تزال بعد مضي 43 عاما، حتى ذلك الوقت أي من يناير 1959 وحتى 2002 من عمر الثورة الاشتراكية، هي الطبقة الأكثر فقرا وفاقة وتخلفا وأمية سياسية ومعرفية، وانحسارا فيما يخص مشاركتها السياسية وشراكتها المفترضة في إدارة الشئون العامة للبلاد.
وذلك على الرغم من أن الثورة قامت أساسا من أجلهم، إذ لا أحد ينكر بطبيعة الحال حجم الجهود والموارد الرسمية والبرامج التأهيلية الجبارة التي بذلتها حكومة كاسترو الثورية منذ انطلاقتها الأولى بغية تحقيق المساواة والعدالة العرقية الكاملة لزنوجها ومضطهديها، من خلال تدشينها لجملة واسعة من البرامج والتدابير التشريعية والقانونية والثورية التي اتخذتها حكومة الثورة الكوبية لحظر التمييز العنصري في الأماكن العامة والتعليم والتوظيف، وفي كل مجالات الحياة الإنسانية والمدنية الأخرى، في ظاهرة حضارية فريدة من نوعها ظلت، ولا تزال تعكس حالة التناغم والاندماج الحاصلة آنذاك ما بين الثورة الوطنية الكوبيه من جهة، وبين طبقات الشعب الدنيا والمسحوقة والمغيبة، كطبقة الزنوج الذين كان لهم في الوقت ذاته حضورهم وإسهامهم الحيوي والمحوري الهائل الذي لعبوه في إسناد الفعل الثوري منذ تكون بذوره التكوينية الأولى، سواء كقاعدة شعبية عريضة أو من خلال تبوؤ العشرات منهم الصفوف القيادية المتقدمة للثورة التي عبرت عن نيتها الجادة منذ البداية في القضاء على كل أشكال التمييز العنصري والطبقي السائدة وسط المجتمع الكوبي المفكك، في حقبة ديكتاتورية "الجنرال باتيستا" قبل العام 1959، بدءا بالرفيق خوان ألميدا الكوبي من أصول إفريقية، والذي كان عامل بناء في الأصل قبل أن ينخرط في العملية الثورية منذ لحظات انطلاقتها الأولى في جبال سييرا مايسترا جنبا إلى جنب مع الرفيقين القائدين فيدل كاسترو وأرنستو تشي جيفارا، وليترقى بعدها في خضم المثالية الثورية، وعقب انتصار الثورة ذاتها في الثالث من يناير 1959 إلى أرفع المناصب العسكرية في هرمية قيادة القوات المسلحة الكوبية، الى جانب نيله عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم، وصولا إلى تبوئه في نهاية المطاف منصب نائب رئيس الجمهورية الكوبية، مرورا بالعشرات غيره، لعل أبرزهم الرفيق الشهيد أنطونيو ماسيو الذي يحتفى به كرمز وطني بعد أن تحولت ذكرى استشهاده يوم التاسع من كانون الأول ديسمبر 1989، حينما شارك في القوات المقاتلة الكوبية بجمهورية أنغولا في إفريقيا إلى يوم وطني مقدس لتخليد كل شهداء الثورة الكوبية في الداخل والخارج.
حققت الثورة الكوبية طفرة من الإنجازات الوطنية المشهودة، والمحققة على صعيد مساعيها الجبارة لتحقيق المساواة الطبقية والانسانية على قاعدة التكريس الكلي لمبادئ العدالة العرقية الكاملة وغير المنقوصة، إلا أن هذا الواقع لم يمنع الرفيق القائد فيدل كاسترو من الإقرار علنا ببعض جوانب الإخفاق الكامنة في بنية المشروع الوطني التأهيلي المكرس لإدماج طبقة الزنوج الكوبيين بصورة عادلة ومتكافئة في القوام الاجتماعي والوطني ككل.
هذا الإخفاق لم يكن ناجما عن أي تقصير ثوري محتمل، كما قد يتبادر إلى أذهان البعض، بقدر ما يعكس لب الحقيقة الجدلية التي تمنحنا القدرة على فهم حقيقة أن السعي من قبل أي أمة للتكفير عن آثامها الماضيوية فيما يخص تحقيق العدالة العرقية لجزء مغمور من مواطنيها "فئة عانت أجيالها المتلاحقة لعقود ولربما لقرون طويلة مضنية من شتى أشكال القهر والكبت والتنكيل العرقي والنبذ الاجتماعي والحرمان القسري من كل متطلبات الحياة وأدوات النماء والتطور الحضري والمعيشي والإنساني"، هي مسألة شاقة وعويصة وليست سهلة أو هينة على الإطلاق، مهما بلغت الجدية الوطنية لتحقيقها، بالنظر إلى الجهد الوطني الجمعي والكلفة الهائلة التي يتطلبها حل معضلة اجتماعيه ووطنية شائكة ومعقدة كتلك، والتي ستحتاج في الواقع ولتنفيذ بنودها ومراحلها العملية على الوجه الأمثل لآجال زمنية طويلة ومضنية قد توازي ربما من حيث تعقيداتها الإجرائية عقود الاستبداد المنصرمة ذاتها.
ذلك أن حتمية بلوغ حافة الدمج والتكامل الاجتماعي لفئة مقصية لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع العملي إلا عبر برنامج وطني منظم ومكرس في الإجمال لضمان تحقيق أسس العدالة العرقية لمستحقيها، برنامج يحتوي على جملة من التدابير الإجرائية الفعالة على شكل خارطة طريق وطنية متكاملة، تبدأ من حافة المبادرة أولاً بإقرار منظومة مترابطة من القوانين والأدوات الإجرائية والتشريعية الملزمة والمكرسة بشكل حصري لتمكين الفئة العرقية المراد تأهيلها من اكتساب كل مقومات النماء والتطور العلمي والمعرفي والمعيشي والاقتصادي والحضري الذي يُمكن أجيالها المقبلة من الثبات على أقدامهم واكتساب مكانتها العادلة في المجتمع، عبر منحهم حصصا ثابتة واستثنائية من الثروة الوطنية من باب التعويض التاريخي المستحقّ جراء قرون العزل والحرمان والاستبداد الماضيوية المعتمة، ومنحهم حصصا وطنية ثابتة فيما يخص حقوقهم في الحصول على التعليم المجاني بمختلف مستوياته العليا والمتوسطة والدنيا، وفي الوظيفة العامة والمشاركة السياسية والاقتصادية وفي ادارة الشؤون العامة للبلاد، على غرار التجربة الهندية المكرسة منذ قيام الدولة الوطنية المستقلة عام 1948 لتحقيق العدالة الوطنية للمنبوذين هناك أو ما يعرفون تاريخيا بـ"طبقة الداليت".
الأمر الذي سيسفر وفق المنطق الجدلي -التحليلي وفي حال اتسمت كتجربة حداثية وإنسانية بالجدية والمصداقية الوطنية عن إحداث تغييرات جوهرية وجذرية مستقبلية وإن بشكل بطيء ومتأن في حياة الأجيال الشابة المقبلة والمتلاحقة في محيط الفئة العرقية المستهدفة من مشروع العدالة الوطنية التكاملي، حيث إن كل جيل "مهمش" قادم سيسهم دون شك وعبر الاستفادة المثلى من تلك الامتيازات الممنوحة لهم على شكل حصص وطنية ثابتة ومستحقة، في توسيع نطاق قاعدة العناصر المتعلمة والمؤهلة والجاهزة فعليا للانخراط بشكل فعال في القوام الاجتماعي، من خلال مزايا التعليم والوظيفة والإمكانيات المادية والمعيشية التي سيظفرون بها باضطراد كحقوق عرقية استثنائية مجدولة وبالشكل الذي سنبسطه لكم على النحو التالي:
تصوروا معي في هذه الحالة "مهمشا" شابا نشأ مع أسرته في ذات الوضع الدوني التاريخي وسط أكواخ القش والصفيح والأسمال البالية المغلفة بأسوأ أشكال الفقر والفاقة والعزلة والأمية، ومن ثم، وعبر استفادته المحتملة من برامج التعويض الوطني، بات هذا المهمش يمتلك، وبالتدريج من خلال المزايا التعليمية والوظيفية الاستثنائية المستحقّة له، القدرة على بناء مسكن عصري وآمن يقي أطفاله قسوة الطقس والمطر والدونية، ما سيمكنه من إلحاق أبنائه وبناته بمدارس ومؤسسات تعليمية محترمة ومرموقة، مهيئا لهم سبل اكتساب الدرجات العلمية التي تؤهلهم للانخراط في مختلف التخصصات العلمية والمهنية.. فمنهم من سيتخرج من كلية الطب كجراح في تخصص معين، فيما سيتخصص الآخر على سبيل المثال في هندسة الطيران، والثالث في الهندسة المعمارية، وهكذا دواليك، حيث سيتعين على أبنائه الخريجين كـ"جيل ثاني" بناء حياتهم الأسرية بصورة تتخطى بأنواط حداثة وعصرية مستوى عيش والدهم، ما سيمكنهم من اكتساب المساكن العصرية والوظائف المرموقة والمكانة الاجتماعية المحترمة.
وهنا، ومع التقدم الحاصل بشكل مواز كما هو مفترض في منظومة الثقافة الوطنية ككل، كجزء من برنامج العدالة العرقية الموسع في إطار المساعي الوطنية الجمعية المحمومة لأنسنة الثقافة الشعبية، وبالتوازي أيضاً مع إمكانيات التقدم المعيشي والعلمي والحضري الذي حققه جيلان "مهمشان" متلاحقان، فإنه يمكن عندئذ ترقب حالة أو بعض حالات الاندماج الشاذة التي قد تحدث هنا أو هناك، إما عبر حلقات الاختلاط والتزواج العرقي -الاجتماعي على سبيل المثال أو عبر الوفاق والتناغم الاجتماعي المشترك الذي ستفرضه بشكل تلقائي أبجديات المكانة الاجتماعية والمادية والعلمية الجديدة والراقية للنخبة المهمشة المتعلمة والمهنية والمثقفة جراء استفادتهم في الأساس من تلك الحصص والامتيازات التعليمية والوظيفية الاستثنائية، وهذا هو في الأساس ما يمكن تسميته "الدمج الاجتماعي"، والذي يتحقق بشكل تلقائي كاستجابة حتمية لوتيرة التطور الحضري المحمومة وسط الفئات الهامشية التي لن يكون في مقدورها منفردة اكتساب وتحقيق مكانتها الجديدة والمأمولة بدون الحصول على حصصها العادلة من التعويض التاريخي العادل في الثروة الوطنية والوظيفة العامة والتعليم العام والجامعي والمشاركة المتكافئة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، هنا يتحقق الدمج وبشكل تلقائي يا أوباش السياسة، وليس عبر البيع والشراء والمزايدة بقضايا "المهمشين".

أترك تعليقاً

التعليقات