«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 1٤8
- مروان ناصح الأثنين , 27 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:11:21 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
الصبّاغ.. خيميائيّ الألوان في السوق
في زمنٍ كانت فيه الثياب أكثر من مجرّد غطاء، كانت تحمل رائحة البيوت، وغيرة النساء، وهيبة الرجال... برز الصبّاغ فناناً صامتاً يخلط الماء بالمزاج، والنسيج بالخيال، ويحوّل قطعة قماش باهتة إلى صفحة جديدة من حياة صاحبها.
لم يكن مجرّد عامل؛ كان مصلحاً للألوان، يمنح الثياب عمراً جديداً، ويحفظ للذاكرة لونها.
دكان يحرس الألوان
في السوق، بين الباعة والضجيج ورائحة البهارات، يقف دكان الصبّاغ كأنّه ورشة سرّية، لا يدخلها إلا من يبحث عن التغيير.
واجهته بسيطة؛ لكن داخلها عالم من قدور الماء الساخن، وعلب الصبغات، وقطع قماش تغلي في صمت يشبه تخمير الحكايات.
قدر كبيرة.. نارٌ وطين ولون
في زاوية الدكان، تقف القدر المعدنية الكبيرة فوق النار، تهدر بصوت خافت.
يلقي الصبّاغ القماش في الماء الملون، فتشعر أن الثياب تغتسل من تعبها القديم، وتستعد لولادة ثانية.
كان يحرّك القدر بعصاه الطويلة كما يحرك الساحر مرجله، يراقب اللون يتسلل إلى الخيوط، كأنها روح تعود إلى جسدها.
تدرّجات يعرفها قلبه قبل عينه
يمسك علبة الصبغة، يهزّها قليلاً، يشمّ الرائحة، ثم يقول بثقة فنان: "هذا الأحمر سيكون رائقاً... وهذه الدرجة مناسبة للستائر الثقيلة... وهذا الأزرق يشبه ليل الشتاء".
لم يكن يعتمد على المقاييس المكتوبة، بل على ذاكرة طويلة، عاشر فيها ما لا يحصى من الأقمشة والوجوه والطلبات.
الزبائن.. وعودة الأشياء
إلى شبابها
تأتيه امرأة تحمل فستاناً فقد لونه من كثرة الغسل، ورجل يريد تجديد عباءته القديمة بدل شراء جديدة، وربة منزل تُحضر ستائر غيّرتْ الشمس لونها...
الصبّاغ لا يرفض طلباً، بل يستقبل القطع كما يستقبل الطبيب مرضاه، يضعها على الطاولة، يتأملها، ويفكر: هل تحتاج إلى غمسة واحدة؟ أم إلى غمسات متعددة؟
ثم يعدهم بأن الثوب سيعود كما كان وربما أجمل.
يدٌ تعرف سرّ الوقت
الوقت عند الصبّاغ أهم من اللون نفسه.
دقيقة زيادة تعطي لوناً أثقل، ودقيقة ناقصة تعطي لوناً خفيفاً كحلم.
لذلك كان يحمل ساعة قديمة يربطها بخيط، ويقول دائماً: "الصبغ وقتٌ قبل أن يكون لوناً".
بهذه العبارة بنى سمعته بين أهل السوق.
الأقمشة الثقيلة..
امتحان الخبرة
لم يكن كل النسيج متشابهاً؛ فالحرير يتدلع، والصوف يتمنّع، والقطن يتعامل بودّ... أما الستائر الثقيلة فهي امتحان رجال الصنعة.
كان يرفع الستارة الضخمة بمساعدة عمّاله، يغمسها في القدر، ويظهر اللون الجديد عليها ببطء، كما يظهر الفجر على قمم الجبال.
دكان يفتح باباً إلى الفرح
حين تُنشر الثياب المصبوغة أمام الدكان لتجف، يبدو المشهد كأنه عيد صغير؛ ألوان تتجاور كأزهار غير متشابهة، والناس يمرّون ويلتفتون، ويقول أحدهم: "هذا اللون ما كان عندنا... هذا لون الصبّاغ"!
وهكذا يصنع الرجل بصمته الخاصة، لوناً يعرفه الناس حتى قبل أن يعرفوا الاسم.
خاتمة:
الصبّاغ كان أكثر من ألوان ومواد كيميائية؛ كان ذاكرة المدينة تحفظ تجددها، وفناناً يعيد للناس فرحتهم بأشيائهم، وساحراً يبدّل ملامح القماش كما يتبدّل مزاج الأيام.
وفي زمن أصبحت الثياب تُشترى أكثر مما تُصلّح، يبقى دكان الصبّاغ شاهداً على عصر كانت الأشياء فيه تعيش مرتين: مرة حين تُقتنى، ومرة حين تمرّ بين يديه الماهرتين.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح