مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الصيّاد.. يصغي للغابة رغم الضجيج
كان في الحي رجل لا يشبه أحداً.
إذا مشى أحسست أنه يحمل على كتفيه ظل غابة كاملة، وإذا تكلم شعرت أن الريح نفسها توقفت لتسمع.
ذلك هو الصياد، الرجل الذي عرف أوراق الشجر كما يعرف الناس وجوههم، وعرف الصمت كما يعرف الآخرون الكلام، وكان يسكن بين الرصاصة والهمسة.
بين الحياة التي تحاول النجاة، والقدر الذي ينتظر على حافة بندقية.

يستيقظ قبل الضوء.. مع الغابة
الصباح عند الصياد ليس شروقاً، بل موعد.
قبل أن تفتح الشمس جفنها الأول، يكون قد خرج. خطواته على الأرض الهامسة، كأنها اعتذار لطبيعة لا تريد أن يوقظها فجأة.
يمشي فوق أوراق مبتلة برائحة الليل. يسمع حفيف الريح فتخبره عن اتجاهها، ويسمع العصافير فتخبره عن حركة السماء.

في الغابة.. الصمت ليس سكوناً
إنه قانون مكتوب بحبر الظل. هو لا يدخل الغابة كغريب، بل كواحد من أهلها.
يعرف الشجرة التي تميل قليلاً، والغصن الذي ينحني كأنه يعانق الريح، والأثر الذي يحكي قصة ليلة كاملة.
يرى خطى الأرنب على التراب المبلل، فيبتسم، ويقرأ آثار الطير على الرمل كأنه يفتح كتاباً صغيراً كُتب بالريش.

الصيد.. ليس قتلاً بل مدرسة صبر
الصياد لم يكن قاتلاً، كان تلميذاً في مدرسة الطبيعة.
يتعلم كيف ينتظر، كيف يحسب الأنفاس قبل الوقت، وكيف يعرف متى يقف الغزال، ومتى يخون الهواء جناح الطائر، ويعرف أن الطبيعة لا تُعطي أسرارها لمن يستعجل.

خطط تُبنى على صمت الريح
سلاحه ليس ثقيلاً؛ لكن حكمته كانت أثقل من الحديد.
الفخ لا يوضع كيفما اتفق، والخطوة لا تُخطى بلا معنى. حتى أنفاسه كانت جزءاً من الخطة.
وكان يحمل البندقية كما يحمل المصلي سجادته: خشوع، ومسؤولية.

حين يعود.. تبدأ الحكايات
في المساء، حين يلتف الرجال حوله، كان يبدأ الحديث، لا عن الكسب، بل عن المغامرة، عن الأرنب الذي كان أذكى من الرصاصة، والطائر الذي خُدع لحظة، ثم نجّا.
كان يحكي فيضحك البعض ويقولون: "يبالغ، يهذي، يزيد حكاياته ملحاً".

حين صمتت الغابة.. وصمتت الحكايات
مر الزمن. تغيّرت البلاد. اختفت الغابات أو أُقفلت بالأوامر والقوانين، صار الصيد ممنوعاً أو مستحيلاً، وصار الإنسان ينظر للطبيعة من خلال شاشة، لا من خلال قلبه.
لكن الصياد لم يمت. بقي واقفاً في ذاكرة الحي، كرمز للصبر، وفن الانتباه، وللحب الذي يمكن أن يسكن بين إنسان ومكان.

خاتمة.. ورجل يحرس الغابة بالقلب
رحل الرجل؛ لكن الأرض لا تزال تحتفظ ببصمات قدميه، والريح لا تزال تحفظ صوته، وعطر البارود.
وبقيت قصته تُحكى للأجيال الجديدة، لتقول لهم إن الطبيعة ليست صيداً، وليست خوفاً فحسب،  بل علاقة حب صامتة، وحياة كاملة تنبض بين الشجرة والطلقة، ورجل كان يحرس الغابة بعيون قلبه.

أترك تعليقاً

التعليقات