المحروسة
 

عبدالمجيد التركي

عبدالمجيد التركي / لا ميديا -
«صنعاء المحروسة».. هكذا كانوا يسمونها، فقد كان في قلوبِ ساكنيها من الحبِّ ما يكفي لأن تورقَ جدرانُها، وتتفجَّر أحجارُها ماءً وعطراً، وتمتلئُ سماؤها فراشاتٍ ملونة.
لصنعاءَ مساجدُ عتيقة، أشهرُها الجامعُ الكبير، الذي تم بناؤه قبل أكثرِ من ألفٍ وأربعمائةٍ وثلاثين سنة، وما يزال معموراً وعامراً بالقلوبِ المعلَّقةِ به.
هو أولُ مسجد تم بناؤه في اليمن، وثالثُ مسجدٍ أقيم في الإسلام، بعد مسجد قباء والمسجد النبوي في المدينة المنورة.
ترى التاريخَ ينطقُ من جدران هذا الجامع، ويتجسَّدُ بين كل عمودٍ وعمود. للجامع الكبير اثنا عشر باباً، كلُّها تؤدي إلى الله.
سورُ صنعاء القديمة يبدو كأنَّ التاريخَ خطَّه بأصبعه ليحصُرَ الحضارةَ كلَّها بداخل هذا السور، فقد كانت صنعاءُ حاضرةً ومتحضِّرة، في حين كانت بقيةُ الحضارات مجرد فكرةٍ في خاطرِ الغيب.
هذا السورُ جعل كل السكان بداخله كأنهم أسرة واحدة، بل هم كذلك.. فبيوت صنعاء القديمة متلاصقةٌ في حميميةٍ سرمدية، وتكاد سطوحها تكون سطحاً واحداً.. ورغم أن فكرة الانعزال وبناء الأسوار العالية طرأت في اليمن منذ حوالي عقدين من الزمن، إلا أن صنعاء القديمة قد بُنيت بهذا النمط المعماري لكي تبقى مكشوفةً كالشمس، فالجمال لا يليق به أن يكون محجوباً خلف الأسوار.
تصميمُ بيوت صنعاء وتلاصُقها له بُعدٌ آخر، لا علاقة له بضيق مساحة الأرض التي بُنيت عليها البيوت، لأنها لم تكن ضيقة، لكنها بنيت بهذا الشكل المتلاصق لكي تبدو متماسكة كبُنيانٍ مرصوص، كلُّ بيتٍ يسندُ الآخر، كي لا يسقط واحدٌ منها، لتبقى منتظمة كعِقدٍ أسطوري، وهذا ينعكسُ على اتساع قلوب سكان هذه البيوت وتقبُّلهم للآخر دون وضع أيِّ مسافة بينهم وبين من يعيش إلى جوارهم، ولن تجد هذه الحميمية في أيِّ مدينةٍ عربية.

أترك تعليقاً

التعليقات