طغيان الكيبورد
 

عبدالمجيد التركي

عبدالمجيد التركي / لا ميديا -
منذ زمن طويل لم أكتب بالقلم.
أكتب هذه الثرثرة بالقلم الأحمر، ليشم القارئ رائحة الحبر.
ساء خطي كثيراً. كنت خطاط المدرسة، وكنت أفكر بفتح محل خط في طفولتي، وأتخيل شكل اللوحة على بوابة المحل مكتوب عليها: الخطاط عبدالمجيد.
ثلاث مجموعات شعرية، وأكثر من ألف وأربع مائة مقال كتبتها بالكيبورد. أصابعي لم تعد معتادة على الإمساك بالقلم.
في الكيبورد، الحروف جاهزة، لا تحتاج سوى الضغط عليها. الفواصل والعلامات والتنوين مرصوفة أمام عيني، كلها حروف افتراضية، وليست حقيقية كالتي نكتبها بالقلم.
أكتب الآن وأنا أخشى ألا أتعرف على خطي في الصباح.
تذكرت القلم الباركار، وأقلام الخط المقصوصة، والقمصان التي امتلأت جيوبها ببقع الحبر.
أتذكر القلم «أبو أربعة ألوان». وأتذكر الأقلام الذهبية. كان المغتربون في السعودية يعودون إلى اليمن وهم يضعون في جيب الثوب قلماً بلون الذهب ليكتمل التطقيم مع السن الذهب والساعة الرادو الذهبية. كنت أظن حينها أن السعودية تصرف لكل مغترب سناً ذهبية.
تذكرت قلم رئيس المحكمة؛ قلماً أسود كبيراً، يليق بمنصب رئيس المحكمة. وأنا أتخيل هذا القلم يرتعش حين يوقع على حكم إعدام.
تذكرت أقلام الرسائل التي كانت تكتب باللون الأحمر والوردي، وأقلام البنات التي كانوا يخلطون حبرها باللَّماع الذي يجعل الحروف تتلألأ كالنجوم.
أما الأقلام ذات الحظ السيئ هي التي يضعها النجار خلف أذنه دائماً، ولا تكتب إلا على الخشب.
تعطل تلفوني، فتبازغت في ذهني كل الأقلام، حتى الأقلام التي ألقوها في البحر لاختيار قربان، وخلف الأقلام تم إلقاء النبي يونس إلى حلق الحوت.
تذكرت الأقلام التي تكتب البصاير. كنت أتساءل: لماذا كل البصاير خطها متشابه؟! هل كتَّاب البصاير كلهم يكتبون بيد واحدة؟!
كنت أرصف أربعة أقلام في جيب الجاكت الداخلي؛ أحمر، أخضر، أزرق، أسود. كانت هذه الأقلام تبدو في جيبي مثل إشارة المرور.
وأسوأ الأقلام التي تطبل للسلطة والأغنياء؛ لأن حبرها يكون من ماء وجه صاحبها.
ها أنا أعيد بالكيبورد ما كتبته بالقلم، وأنا أتذكر دعوة جدتي وهي تقول: الله يعلي قلمك!

أترك تعليقاً

التعليقات