مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
جرى التعاطي مع «النظام السياسي في الإسلام» بوصفه معطىً منجزاً، منزّلاً، بلا زمن. أيقونةً جامدةً لا تاريخ لها ولا سياق.  
في حين أنه كان وما يزال البؤرة الأكثر احتداماً ونزاعاً في المتن العربي الإسلامي. كأن الدماء التي سالت على درج السلطة، والمغالبات التي عصفت بالجسد السياسي، لم تترك ندبة واحدة على جدار التنظير له.
وهنا ينهار الادعاء بأول سؤال:
إذا كان هذا النظام بهذه الصورة المتكاملة المعصومة، فالأجدر بالقرون الخيرة الثلاثة الأولى «خيرها ثم الذي يليه ثم الذي يليه» أن تؤسس سلماً مجتمعياً راسخاً على قاعدة انسجام الشريعة.
لكن التاريخ نطق بعكس ذلك. لم تستقر أركان. ولم يسكن فزع الاجتماع السياسي يوماً.
وشهادة الشهرستاني حاسمة: «ما استُلّ سيف في الإسلام على شيء أكثر منه في الإمامة».
إذن نحن أمام إشكال بنيوي لا عارض.
يستبدّ بالعقل السلفي التمامي هاجسٌ مدمر: اختزال «مشروع الشريعة» في نماذج ميتافيزيقية لا تصالح الشرط التاريخي. مشروعيةٌ تطرد من دائرة التفكير كل احتمال لتفكير «شريعة المشروعية».
فيتولد الفصام القاتل بين قطبين: «مشروعية الشريعة»، و«شريعة المشروعية». بين النص وبين الإنسان. بين الحكم وبين العدالة والاستحقاق.
في هذا التصور، حيثما حلّت الشريعة سقطت المساءلة. وحيثما نطق النص أُلغيت المخالفة. فيصير الظلم بها أولى من العدل خارجها. وتبقى الأزمة تستشري في عقلٍ مأزوم عاجز عن وصل ما انقطع بين المشروع وبين المشروعية الغائبة.
ومن هنا تفرض المسألة مسارين متلازمين على الفكر الإسلامي:
أولاً: فلسفة التشريع الإسلامي ومدى استجابتها لضرورات الاجتماع السياسي المعاصر وحتمية المجتمع المدني بوصفه أفقاً للتعاقد والمواطنة.
ثانياً: العلاقة الجدلية بين مشروعية الشريعة كأصل متعالٍ وشريعة المشروعية كإجراء إنساني تداولي.
ولنقرّ بلا مواربة: النظام السياسي في الإسلام مشروعٌ لم يُنجز. وزعم جاهزيته واكتماله فرار من التاريخ وتزييف له.
وسلسلة الانهيارات التي اجتاحت الكيان العربي الإسلامي والإخفاقات الكبرى التي هدّت بنيانه السياسي عبر القرون ليست حوادث عابرة. إنها شواهد على تداعي المفاهيم وتهافت الخطاب.
وكان الانزياح الأكبر في اللحظة الفاصلة: لحظة التحاق صاحب الدعوة بالرفيق الأعلى.
في سقيفة بني ساعدة انزاحت المعايير من «دولة ـ أمة» بمضمونها الأيديولوجي الحضاري إلى «دولة عصبانية» بمنطقها الخلدوني. فذابت امتيازات النموذج النبوي في حمأة القبيلة والغلبة والمصلحة.
ومنذ ذلك الانزياح حتى أطاريح اليوم فما زالت التيارات الإسلامية تبالغ في تقديس خيارها التاريخي وتسقط أزمتها على كل خيار منافس. ثم تعجز عن تشريح دائها لأنها تفصل النص عن تصريفه التاريخي، وتجعل السلطة للنص المجرد، لا للممارسة الملوثة بالتحريف والمصلحة.
وجوهر النزاع مفارقة فلسفية كبرى. بين الأطروحة الإسلامية السائدة والأطروحة العلمانية. حول أصل التشريع ومصدر تثبيت السلطات.
العلماني -في أرقى تجلياته الديمقراطية لا العسكرية- يؤسس السلطة على العقد الحر. والعلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على الانتخاب والاجتهاد التشريعي وفق مصلحة المجموع. فالسلطة للشعب. والمرجعية للمصلحة. وقد نمت هذه الأطروحة وتطورت وأنتجت صيغاً براغماتية ومؤسية أدق لأنها وجدت مجالاً للاختبار والممارسة.
والإسلامي السائد ينطق بجاهزية مطلقة للشرائع وتنزيل محكم للقوانين ومرجعية متعالية تحدد النظام سلفاً. فالسلطة لله. والمرجعية للمطلق. ولم يُتح لهذه الأطروحة مختبر الممارسة ذاته في ميزان التقييم الموضوعي.
فكان العنف محصلة حتمية. صدمة حضارية جعلت الأطاريح الإسلامية العنفية ترى في الخيار الوضعي العلماني تهديداً وجودياً للعقيدة والموروث. إنه في جوهره صراعٌ أنطولوجي: بين «حكومة البشر» بوصفها فاعلاً تاريخياً و»حكومة اللاهوت» بوصفها سلطة متعالية بالوكالة.
والتقاء الفريقين معاً يتجلى في التأكيد على هذا التصحر التاريخي؛ فاعتبر أنصار الناسوت من سلطة الإسلام تغييباً للفاعلية البشرية وتفويضاً لنظم سياسية تُدار باسم الغيب. وترجم أنصار اللهوت ذلك عملياً فاعتبروا الحكومة الإسلامية تنزيلاً مجعولاً لا مدخل للبشر في صياغته ولا تصريفه. ولسان حالهم: «لا حكم إلا لله».
فوقفت الأمة بين وهمين متلازمين: وهم نصٍ جامدٍ لا يتكلم إلا بلسان الفقهاء، ووهم تاريخٍ مقطوعٍ من النص لا يخضع لمعياره.
وفي هذا الفراغ ضاعت المشروعية. وغابت العدالة. وتحول الدين من مشروع تحرير إلى أداة تغليب.

أترك تعليقاً

التعليقات