الوطن الذي نريد
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
المشروع الذي كان يجب أن يعبر بنا من غضب الثورة إلى عقل الدولة، أطلَقوا عليه الرصاص. فسقط الجسد، وسقط معه العبور. سقطت اللحظة التي كان يمكن أن يتحول فيها الحبر إلى عقد، وأن يتحول الحلم إلى قانون يمشي في الشارع.
وبعد عامين خرجنا باسمه. هتفنا باسمه. رفعنا صورته. قلنا: باسمه نبني، وباسمه نُسقط الغلبة.
مرت إحدى عشرة سنة؛ إحدى عشرة سنة والرمز معلق في سقف الوطن، والمواطن في الأسفل يسأل: أين المدرسة؟ أين الدواء؟ أين الراتب الذي لا يهين الكرامة؟...
تغيرت الوجوه. تبدلت اللافتات. تبدلت خطب المنابر. أما الدولة فما زالت وعداً مؤجلاً، والمؤسسات قبوراً بلا أرواح، والعدالة تطرق الأبواب فيردها الصمت.
الذين قاتلوا الماضي صنعوا نسخة منه. نفس الأدوات بثوب أقدس. نفس الإقصاء بلغة جديدة. نفس الغلبة باسم القيم.
كنا نكره الفساد فصرنا نكره الانتظار. كنا نرفض الغلبة فصرنا نسكن الصمت.
فيتسع الجرح سؤالاً: هل نحن نسير إلى الدولة؟ أم نرسّخ غيابها؟ هل كانت الثورة تأسيساً؟ أم كانت توزيعاً جديداً للغنيمة؟ هل مَن يحكم اليوم وريث الرمز؟ أم أسير الخوف؟
هذه ليست أسئلة فلسفة. إنها رغيف. إنها كهرباء تنطفئ. إنها طريق مقطوع. إنها مقعد فارغ في مدرسة. إنها وطن يريد أن يقف على قدميه بلا وصاية من الداخل، وبلا وصاية من الخارج.
كان المواطن لا يطلب كرسياً. كان يطلب مشروعاً. لا غنيمة. كان يطلب عقداً. لا قبيلة كبرى.
فماذا فعلنا بالثورة كمعنى؟ علقناه على الجدار، وتركنا الواقع يتعفن.
التحول لم يكن مستحيلاً. كان ممكناً. لو كتبنا القانون قبل الشعار. لو بنينا المؤسسة قبل الولاء. لو واجهنا أنفسنا بالسؤال.
والآن لا مفر من مراجعة قاسية. الدولة عقد بين أحرار، لا غلبة. مؤسسات تخدم الناس، لا ولاءات تخدم أشخاصاً. شراكة، لا وصاية باسم السماء، ولا باسم الدم، ولا باسم التاريخ...
وإلا سنظل ندور بين مشروع مقتول وواقع ميت، بين وعد لم يولد وحلم لم يدفن.
وسيبقى السؤال فوقنا كصخرة ثقيلة: أي وطن نريد؟ وطن نحيا فيه بكرامة، أم وطن نحيا ونموت  بحثاً عنه ولا نجده؟!

أترك تعليقاً

التعليقات