الإسلاميون والعقم السياسي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عادة ما يحدثك الإسلاميون عن «دولة العدل» قبل صعودهم إلى سدة الحكم؛ وما إن يصبحوا هم السلطة تجد دولة تحولت إلى «دولة النص». دولة لا تسأل عن الإنسان بل تسأل: هل النص معك أم عليك؟ والمشكلة ليست في النص، بل في عقل سلفوي تمامي جثم على تفكيرنا السياسي. عقل يختزل الإسلام كله في نموذج حكم واحد جامد لا يعترف بالزمن ولا بالتجربة، ويجعل من «مشروع الشريعة» في مخياله تمثالاً من رخام مكتملاً وجاهزاً لا يُمس.
وهنا يبدأ الفصام. يُطرد من هذا العقل سؤال بسيط: وماذا عن «شريعة المشروعية»؟ من يحكم؟ كيف نحاسب؟ وبأي حق نعترض؟ لقد تم الفصل بين الشريعة والإنسان، وقُطع الجسر الذي يربطهما وهو العدالة والاستحقاق. فصارت القاعدة تقول ما دام الحكم باسم الشريعة فلا مساءلة، وصار الظلم مع الشريعة أهون من العدل بلا لافتة دينية. كأن الله الذي أنزل العدل يرضى بالظلم إذا لُف بعباءة مقدسة. والنتيجة أزمة ممتدة، أزمة عجز عن التفكير في العلاقة بين مشروع الشريعة الذي نؤمن به وبين شريعة المشروعية التي نهرب منها.

الوهم المكتمل
يتكرر الادعاء بأن «الإسلام فيه نظام سياسي جاهز كامل» والواقع يقول غير ذلك. النظام السياسي في الإسلام مشروع لم يكتمل بعد. تركه النبي مفتوحاً ليشتغل به العقل في كل عصر، وهو قابل للاجتهاد والتطوير ومرتبط بالمصلحة والواقع. لكن الإصرار على «الجاهزية المطلقة» قاد إلى الهروب من التاريخ، وتوالت الانهيارات فسقطت دول وتهدمت مجتمعات. ليس لضعف في الإسلام، بل لتهافت الخطاب السياسي وتداعي المفاهيم.
اللحظة الأولى للسقوط كانت في سقيفة بني ساعدة، حيث انزاح الخيار من «دولة الأمة» القائمة على العقد والرضا إلى «دولة العصبة» التي وصفها ابن خلدون لاحقاً. دولة القبيلة ودولة الأقوى ودولة «من غلب». وضاعت بذلك أعظم ميزات الدولة النبوية، أنها قامت على فكرة لا على دم، وعلى حضارة لا على عصبية.

مرآة العجز
اليوم تعيد الأطاريح نفسها. وبمقدار ما تقدس خيارها التاريخي تلقي بأزمتها على الآخر. العلمانية هي المشكلة، والحداثة هي المشكلة. وهي عاجزة عن قراءة أزمتها الحقيقية المتمثلة في فصل النص عن التاريخ، وتسليم السلطة للنص الميت لا للممارسة الحية التي يصنعها البشر باجتهادهم وأخطائهم. تريد «تنزيلاً محكماً» لقوانين جامدة، وترفض الاعتراف بأن كل تطبيق بشري هو قراءة، والقراءة تحتمل الصواب والخطأ.

المفارقة في القلب
جوهر الصراع فلسفي يتصل بمصدر السلطة وكيفية تثبيتها. التيار العلماني في أفضل حالاته الديمقراطية يقول إن السلطة للشعب وأساسها العقد الحر وميزانها المصلحة العامة. والتيار الإسلامي السائد يقول إن السلطة لله ومصدرها التنزيل وميزانها المطلق. «سلطة الشعب» نعم غارقة في العمومية، لكنها نمت لأنها خاضت التجربة وأخطأت وأصابت وسقطت ونهضت وبنت مؤسسات. أما «سلطة الله» كما تُطرح اليوم فحبست في الكتب ولم تُتح لها فرصة الإدارة والممارسة المؤسسية، فبقيت شعاراً والشعارات وحدها لا تبني دولاً.

الخلاصة:
نحن لسنا ضد الشريعة، نحن ضد من حول الشريعة إلى قيد على العقل. ولسنا ضد النص، نحن ضد من جعل النص سجاناً بدل أن يكون بوصلة. السياسة الاستبدادية في واقعنا لم تولد من فراغ، بل ولدت من خوف من السؤال ومن خوف من التجربة ومن عبادة «التمام» التي جعلت من الدين صنماً. ونسي أصحابها أن الرسالة بدأت بكلمة واحدة: اقرأ. وحتى نقرأ من جديد سنبقى ندور في الحلقة نفسها، بين نص بلا دولة ودولة بلا عدالة.

أترك تعليقاً

التعليقات