تاريخنا: ضحيةُ الثنائية القاتلة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا تُختزل أزمة الخطاب التاريخي العربي في كونها صورة من صور الأزمة العامة التي تعصف بالمعرفة الإنسانية. إنها أزمة ذات وجهين: وجه كوني تشترك فيه مع سائر التجارب البشرية في محاولة فهم الماضي، ووجه خاص متجذر في بنية العقل العربي وعلاقته بالزمن والسلطة والمقدس.
لقد سعى الفكر الغربي الحديث إلى انتزاع التاريخ من قبضة اللاهوت والأيديولوجيا ليقيمه علماً. في المقابل ظل التاريخ في التجربة العربية أسيراً لثنائية قاتلة: العقيدة التي تحتويه، والسياسة التي توظفه. ومن هنا لم يكن غريباً أن تتصدر المشهد الفكري العربي المعاصر أسئلة وعناوين باحثين من قبيل «نحن والتاريخ» و»العرب والفكر التاريخي»، إذ لم تعد هذه الأسئلة ترفاً نظرياً، بل صارت ضرورة وجودية لمواجهة تخلفٍ تاريخي وحضاري لم يعد من الممكن تجاهله.
ولعل قاصمةَ الظهر هي عمليةُ احتواء العقيدة للتاريخ.
كان للعرب قصب السبق في تأسيس التأريخ صناعةً ونقداً؛ لكن سرعان ما انحرفت البوصلة؛ فبدل أن يكون التاريخ مرآة لما كان، تحول إلى برهان لما ينبغي أن يكون.
لقد تماهى التأريخ مع العقيدة في نسيج لا فكاك فيه. فقدم التراث العقدي والتشريعي نفسه باعتباره معطى تاريخياً مطلقاً، وتشكلت المدارس التاريخية لا وفق اختلاف المناهج، بل وفق اختلاف التموضع من النص. وهكذا خرج التاريخ من دائرة البحث إلى دائرة الاستدلال.
صارت الواقعة حُجة، والشخصية مثالاً، والحدث درساً وعِبرة. وبهذا فقد التاريخ حياده مرتين: مرة باسم الدين، الذي لا يجوز نقده، ومرة باسم المذهب، الذي لا يجوز تجاوزه. ومن ثم لم يعد السؤال الجوهري هو: ماذا حدث بالفعل؟ وإنما: ماذا يجب أن نصدق أنه حدث حتى يستقيم بناؤنا الرمزي والسياسي؟
وهكذا حصل ما لا تُحمد عقباه، وهو: استبداد السياسي بالمؤرخ.
لم يكن المؤرخ العربي يوماً كياناً حراً. كان دوماً طرفاً في معادلة السلطة؛ إما في خدمتها فيشرعنها، وإما في مواجهتها فيدفع ثمن معارضته لها.
ومع تمركز أدوات إنتاج المعرفة في البلاط، تحول التاريخ إلى كلب حراسة للقصر، وبات المؤرخ مجرد مؤدٍّ لدوره كصاحب وظيفة سياسية بالدرجة الأولى. فتجزأ التاريخ بتجزؤ الخريطة، وتمذهب بتمذهُب الفِرَق، وتنمّط بتنميط الخطاب السلطوي. فكان لكل سلطة تاريخها، ولكل مذهب روايته، ولكل أزمة سردها الخاص.
حتى ذلك المشروع النقدي العظيم، الذي تجسد في «علم الرجال» بغية ضبط الرواية، لم يسلم من هذا الاستبداد. فقد انحدر مفهوم «الثقة» من معيار معرفي إلى معيار مذهبي؛ فلم تعد العدالة تقاس بالصدق والضبط، بل بالقرب من مركز السلطة أو البعد عنه. وكان هذا هو التصدع الأول الذي أصاب صرح الكتابة التاريخية في العمق.

منهج البحث: بين سبق التنظير وتأخر التطبيق
المفارقة الكبرى أن العقل العربي لم يعجز عن التنظير؛ فقد قدم نقداً مبكراً وعميقاً للأسطرافية، ودعا إلى تأسيس التاريخ على قوانين العمران والعصبية والاقتصاد. لقد حاول أن ينقل التاريخ من رتبة النبأ إلى رتبة العلم.
لكن هذا النقد ظل حبيس النص. فمنذ تلك اللحظة النقدية وحتى العصر الحديث، لم نجد مشروعاً عربياً نجح في ترجمة هذا التنظير إلى ممارسة. ما حدث كان استبدال تأريخ بتأريخ، وقراءة بقراءة، دون قطيعة معرفية حقيقية.
وعندما اجتاحت العالم ثورة منهجية تمثلت في مدرسة الحوليات وغيرها، ودعت إلى رد التاريخ إلى الإنسان وإلى المجال وإلى البنى العميقة، كان الأولى بالعرب أن يتبنوها؛ لا تقليداً، بل استعادة لروح كانت لهم. فقد سبقهم اليعقوبي والمسعودي وابن خلدون إلى ربط التاريخ بالجغرافيا والمجتمع. لكن ما حدث كان العكس: استيراد مناهج بلا هضم، ونقل أدوات بلا تأصيل، فزاد الاغتراب، وساد الشعور بالتيه والضياع لدى الباحث.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في فقر المادة أو ندرة المصادر. إنها أزمة تحرُّر متعدد الأبعاد؛ تحرُّر من احتواء العقيدة التي حولت التاريخ إلى نص مقدس لا يُمس، وتحرُّر من استبداد السياسة التي حولت المؤرخ إلى كاتب بلاط، وتحرُّر من اغتراب المنهج الذي جعلنا نستهلك أدوات غيرنا دون أن ننتج أدواتنا.

أترك تعليقاً

التعليقات