نحن والمعركة التي لا تُرى
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
في التاريخ الإسلامي معركتان. الأولى كانت واضحة المعالم: سيوف مشهرة، ورايات معلنة، وعداء لا يحتاج إلى تأويل. في بدر والخندق وقف الإسلام في وجه من رفعوا اللات وهبل، فانتصر رغم قلة العدة، لأنه واجه خصماً مكشوفاً.
أما المعركة الثانية فكانت أعقد وأخطر. لم تكن بالسيوف ولا بالرماح، بل بالشعارات. لم يأتِ الخطر من خارج السور، بل من داخله، بوجوه تشبه وجوه الصالحين وبكلام لا يخرج عن الله والجنة والنار والتقوى والزهد.
هنا انقلب الشكل والمضمون. صار الهدم يتم باسم البناء، والإفراغ يتم باسم التقديس. المطلوب لم يعد محاربة الدين، بل القضاء عليه عن طريق ترويجه. إخفاء جوهره تحت غطاء تعظيم الشعائر، وتجميد عقله تحت لافتة تبجيل الشخصيات، وصد الناس عن فهم كتابه مع المبالغة في التبرك به.

من الخندق إلى صفين
الانتقال الأخطر لم يكن انتقال جيوش، بل انتقال أدوار. من كان بالأمس في صف المحاربين للدعوة، أصبح اليوم في صف المدافعين عنها باللسان. من كان يرمي القرآن بالسهام، أصبح يرفعه على الرماح.
وما لم تستطع قريش فعله في بدر والخندق؛ فعلته في صفين. فالاسم نفسه الذي كان سبب العزة تحول إلى شعار يُرفع لتبرير الاقتتال. والفتوى التي كان يفترض أن تحفظ الدم صارت أداة لإراقته.
الدرس الذي خرجت به التجربة الأولى كان واضحاً: الإسلام لا يُهزم في مواجهة مباشرة. لكنه يذوي من الداخل حين يرتدي الباطل لباس الحق، وحين يلبس الشرك والفساد ثياب التقوى.

الخطر الذي حذر منه القرآن
لم يكن التحذير الأكبر في القرآن والسنة من الكافر المعلن. كان التحذير من المنافق. من تاجر الدين الذي يتاجر بالناس وباسم الله. من الذي يستخدم الدين أداة للسلطة، ثم يصبح هو نفسه أداة بيد غيره.
من حارس الجهل الذي يخدر الناس عن واقعهم، ويشغلهم عن الفقر والظلم والهوان، ويجعلهم ينظرون إلى السماء حتى لا يروا ما يجري على الأرض.
هذا هو الذي جعل محراب المسجد مسرحاً للاغتيال. وهو الذي نفى أبا ذر إلى الربذة ليموت جوعاً بفتوى رسمية. وهو الذي أباح دم حجر بن عدي بغطاء شرعي. وهو الذي أمر بقتل أهل البيت في كربلاء، ثم أمر جنوده أن يشكروا الله على «النصر» بالصيام.

معركة اليوم: الشكل أم المضمون؟
المعركة لم تنته. كل عصر يعيد إنتاج «أبي سفيان» الخاص به. شخص ينتقل من جهة إلى جهة، ويغير اللافتة ويبقي على نفس الأدوات.
اليوم كما الأمس، الخطر ليس في من يهاجم الدين من الخارج. الخطر في من يفرغه من الداخل. في من يحول الدين إلى طقوس بلا عدل، وإلى شعائر بلا علم، وإلى خطاب عن الآخرة يبرر به السكوت عن الدنيا.
الإسلام الذي جاء باسم العزة والعلم والعدل لا يمكن أن يُهزم في ساحة المواجهة. لكنه قد يخسر حين نكتفي برفع المصحف ولا نقرأه، وحين نردد اسم الله ولا نحكم به، وحين نصفق لمن يهدم البيت ونحن نظن أننا نرفع مئذنته.
السؤال الذي يبقى معلقاً: كم محراباً تحول إلى ساحة لتقديم مسرحية هزلية؛ من خلال ممثلين للدين؟ وكم صوتاً يتحدث باسم الدين وهو يعمل على إفراغه من محتواه؟

أترك تعليقاً

التعليقات