مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
نحن هنا؛ لا نقف موقفَ الانتصار لطائفة على حساب طائفة أخرى، ولا موقفَ الانحياز لمذهب ما، وبالتالي نعمد بالضرورة للانتقاص من المذهب المقابل وتسفيهه وتحميله المسؤولية في كل ما جرى ويجري وسيجري على المحيط العربي المسلم من نكبات وزلازل ومحن جرها عليه نظام الحكم والحاكمون. نحن هنا لإدانة كل سلطة سياسية عبر التاريخ قامت باسم «دين الله» فلما تم لها الأمر قتلته، وحكمت الأمة بدين آخر؛ هو: «دين السلطة والملك». وما كان نصيبها من «دين الله» إلا تلك القشور التي تلطت خلفها لتمرير مشروعها، وضمان بقاء سلطانها. ولا يخفى عليك عزيزي القارئ أن: «النظام السياسي في الإسلام التاريخي» هو نتاج لتجارب المسلمين عامة، بمختلف فرقهم ومذاهبهم ومراجعهم ومدارسهم. وعليه؛ فنحن نعمل على نقد تجربة المسلم العربي على وجه التحديد في الحكم؛ سواءً كان شيعياً أو سنياً؛ لأن الكل مدان، ولأن كل سلطة سياسية عرفها محيطنا العربي المسلم نهضت باسم الإسلام كانت بالضرورة امتداداً طبيعياً لما أسسته «قريش» في «رزية الخميس» بعد وفاة صاحب الدعوة، وكانت «سقيفة بني ساعدة» هي المقر الذي لا يزال يلقي بظلاله على واقع العربي المسلم السياسي والاجتماعي كله حتى اليوم.
نحن هنا؛ بصدد البيان للحظة الحاسمة؛ اللحظة التي تقرر بموجبها النظام السياسي لدى مختلف الفرق والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية التي وصلت إلى سدة الحكم؛ والتي سعت كذلك للوصول إليه؛ لأن هذه هي لحظة اغتصاب التشريع وانتحار العقل ومصادرة التأويل. لحظة انتصار «السلطة وتأويلها» على «سلطة الدين والعقل وتأويلهما».
نعم؛ لقد كانت لحظة الحسم في تاريخ الأمة المحمدية هناك؛ في ظل سقيفة بني ساعدة. في تلك العتمة التي سبقت تأسيس الدولة المابعدنبوية. أو قل: «بناء الدولة الأم لكل دولة إسلامية عرفها العرب على امتداد 14 قرناً». لأنها ترينا كيف تمت القاضية؛ حين اجترأت السقيفة على مقام التشريع. وحين أشهرت في وجه النبوة شعارها القاطع الحاسم: «حسبنا كتاب الله».
لم يكن الشعار بريئاً. كانت ترجمته العملية إعلان استقلال عن سلطة التأويل. إعلاناً يقول: نحن أدرى بشؤون دنيانا. لا حاجة لاجتهادك أمام النص. ولا لتصريفك التاريخي للوحي. يكفينا التنزيل. ونحن نتولى التأويل.
ومنذ تلك اللحظة الفارقة والأمة تدور في حلقة مفرغة. تجترّ تجربة بعد تجربة. ترفع شعارات الخلاص. وتوهم نفسها بأنها قادرة على إنتاج «نظام سياسي إسلامي» يواكب العصر ويصارع تحدياته.
فإذا بها في خاتمة كل دورة تصطدم بالجدار ذاته: أنها لم تكن تؤسس شيئاً. كانت تستهلك رصيد القيم الدينية ليس إلا. وأن فاتورة كل تجربة كانت تُدفع دوماً من جوهر الدين نفسه.
العقدة البنيوية التي لم نبرحها منذ اليوم الأول للسقيفة واحدة: العجز القاتل عن التفريق بين «مرحلة التنزيل» وبين «مرحلة التأويل».
مرحلة التنزيل:
مرحلة النص المغلق. مرحلة الوحي المنضبط. مرحلة صاحبها معصوم ومحدد.
مرحلة التأويل:
مرحلة النص المفتوح على التاريخ. مرحلة التصريف والتنزيل على الوقائع المتجددة. مرحلة لا يقوم بها إلا من توفرت فيه شروطها.
ونحن أصررنا على محاكمة أزمان متبدلة بمنطق زمن التنزيل المغلق: «حسبنا كتاب الله». فجمدنا التاريخ. وسجناه في الماضي. واجتررناه بلبوسات مختلفة دون أن نغادره قيد أنملة.
والأخطر أننا جعلنا التأويل مشاعاً. مباحاً لكل من هب ودب. لكل سلطة غلبة. لكل فقيه سلطان. لكل خطيب منبر.
في حين أن مرحلة التأويل مضبوطة ومشخصة كما كانت مرحلة التنزيل مضبوطة ومشخصة. لا يدخلها إلا من توفرت فيه أهلية الاجتهاد وشروط العصمة النسبية والارتباط العضوي بمقصد الشريعة.
فليس للسقيفة ولا لغيرها أن تغتصب هذا الحق. بل لا بد من جهة مؤهلة بعينها. نخبة ربانية محددة هي وحدها التي تملك شرعية التشريع التدريجي في هذه المرحلة. وتقود الأمة بها صعوداً حتى تبلغ الكمال أو تدرك «أيام الله الموعودة».
ولما قطع الناس هذا الخيط الواصل بين السماء وبين الأرض وارتضوا لأنفسهم السير بدونه وهم يحسبون أنهم قادرون على اختراع الحلول تحولت حلولهم إلى نكبات. وتحولت مشاريعهم إلى استبدادات أشد فتكاً وأكثر دموية من استبداد الطواغيت.
لأن الاستبداد الذي يلبس عباءة الدين لا يُراجع. ولا يُساءل. لأنه يتكلم باسم المطلق.
ولعل القول الفصل في هذا كله: كلما تراجع «الدين السياسي» خطوة إلى الوراء وفسح المجال للعقل الإنساني أن يدير شؤونه استطاع البشر أن يضبطوا عمرانهم. وأن يحقنوا دماءهم. وأن يؤسسوا مناخ تعايش يستوعب الجميع. إلى أن يأتي وعد الله. وإلى أن تشرق «أيامه».

أترك تعليقاً

التعليقات