مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
خيط أخير من بكرة الزمن.. وبكرة جديدة تنتظر أن تُنسج
ها هو العام ينحني مثل شيخ تعب من السير الطويل، يضع عصاه جانباً، وينظر إلينا نظرة وداع لا تخلو من الحكمة ولا من الحنين. على الطرف الآخر، يقف عام جديد كطفل خرج للتو من الضوء، يحمل لفافة أيامه على كتفيه، ولا ندري أي لون لخيوطه، ولا كم ابتسامة أو دمعة يخفيها في جيوبه. نحن، الواقفين بين طرفي الزمن، لا نملك سوى أن نشعل قنديلاً صغيراً من الأمل، ونستعد للنسج من جديد على نول الحياة.

وداع ليس كبقية الوداع
كل سنة تمضي لا تغادر تماماً؛ إنها تترك ظلالها في أصواتنا، وفي طريقة سلامنا، وفي نظراتنا حين نفكر. الأعوام لا تُدفن، بل تتحول إلى طبقات رقيقة من الذاكرة، نلمسها حين نرتجف فرحاً، أو حين يوقظنا الحنين في منتصف الليل.

المدن أيضاً تغيّر ملامحها
الشارع الذي كان ضاجاً بنا، صار أكثر هدوءاً. المقاهي التي شهدت ضحكاتنا تغيّر ترتيب الطاولات فيها، وربما غاب بعض الوجوه. المدن ليست حجارة فقط؛ إنها دفتر الزمن المفتوح، ونحن الكلمات التي تكتب وتُمحى وتُعاد صياغتها.

قلوبنا.. تلك الأوعية السرّية
العام الذي يمضي يترك خدشاً صغيراً في القلب، ربما لا نراه، لكننا نشعر به حين نحب من جديد، أو حين نخاف أكثر مما يجب، أو حين نتصالح مع شيء كان موجعاً فينا. القلب هو السجل الحقيقي للأعوام، لا التقويم المعلق على الجدار.

أحلام نجت.. وأحلام تأجلت
ثمة حلم صغير كتبنا اسمه على حافة أيام هذا العام ونجا بنجاح مبهر، وثمة حلم آخر جلس على المقعد الخلفي ينتظر فرصة قادمة. الحياة لا تعطينا كل شيء دفعة واحدة، لكنها لا تحرمنا أيضاً؛ إنها فقط تفاوضنا بلطف وسرّ.

حكمة الزمن التي لا نملّ سماعها
كل عام يمضي يهمس لنا: لا شيء ثابت؛ لا الخيبة خالدة، ولا الفرح أبدي. وحدها قدرتك على النهوض هي الحقيقة. وحدها يدك حين تمتد لتداوي نفسك، هي البرهان أنك مازلت حياً.

العام الجديد.. سؤال مفتوح
هو ليس وعداً كاملاً ولا تهديداً كاملاً. هو مساحة بيضاء تنتظر منّا أول كلمة. سيمنحنا شيئاً، وسيأخذ شيئاً، وربما يربكنا كثيراً، لكنه بالتأكيد سيعلّمنا درساً جديداً في فن العيش.

لحظة بين بين
هذه اللحظة تحديداً ليست نهاية ولا بداية؛ إنها الجسر الرفيع الذي نمشي عليه بحذر، نحمل ما نريد أن يبقى، ونلوّح لما حان أن يرحل، بينما نرفع رؤوسنا قليلاً كي لا نفوّت أول نجمة في سماء العام القادم.

الخاتمة:
نضع اليوم آخر خيط من بكرة عام مضى، ونستعد لإدخال الخيط الأول في بكرة عام جديد. لا نعرف لون النسيج القادم، لكننا نستطيع أن نختار طريقة حياكته: بشجاعة، بصبر، وبشيء من الفرح الذي لا يموت. فلنستقبل القادم كمن يفتح نافذة، لا ليودع الهواء القديم، بل ليدخل نفساً أوسع للحياة. ولنعاهد الزمن أن نكون أجمل مما كنّا، لا لأن الأعوام تفرض ذلك، بل لأن قلوبنا تستحق هذا الجمال.

أترك تعليقاً

التعليقات