مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
«الأوبرتوار» مشغِّل أفلام السينما.. سيّد الضوء وعرّاب الحلم
كان يجلس في أعلى الصالة، حيث لا يصل إليه سوى غبار الضوء ودفء الماكينة. رجلٌ يعتقد بوجوده كلُّ من ارتاد السينما في الزمن الجميل؛ لكنْ لا يعرفه أحد. هو الحارس غير المرئي لعالم السحر، مَن يفتح أبواب الحلم، ويشغِّل عجلة الخيال، وينثر الضوء على الشاشة كأنه يسكب الحليب على ستارة الظلام.
بدونه، كانت القصة تبقى حبيسة العلبة المعدنية، لا صوت لها، ولا قلب.

غرفةٌ عالية فوق المدينة
غرفته أشبه بعشّ طائر عجوز يحرس صغاره؛ ضيقة، حارة، تتقاطع فيها رائحة الغبار مع وهج اللمبة الثقيلة.
كان "الأوبرتوار" يتسلق الدرجات الخشبية الصاعدة نحو السقف، كأنه يصعد إلى مكان مقدّس.
من نافذته الصغيرة يطل على الصالة، يشاهد رؤوس الناس من فوق. لا يرى قسمات وجوههم، لكنه يعرف متى يبتسمون ومتى يحبسون أنفاسهم.

العلب المعدنية.. خزائن الحكايات
كان يحمل العلبة المعدنية كأنه يحمل صندوقاً أثرياً.
يعرف وزن كل فيلم، ويشمّ رائحته من بعيد.
يفتح العلبة بحذر يشبه التبجيل، ثم يلمس الشريط الطويل الملفوف بإصبعين خبيرين.
ذلك الشريط يخفي بين دوائره قصص حبّ ومطاردات، دموعاً واحتفالات، ووجوه نجومٍ لا يشيخون.

عقد الصداقة بينه وبين الماكينة
لم تكن الماكينة بالنسبة له مجرد جهاز؛ كانت صديقته القديمة.
يعرف أنينها، واهتزازها الخفيف حين تتعب، وصوتها المرتجف عندما يسرع في اللفّ أو يتأخر.
كان يربّت عليها مثل مربٍّ على رأس حصان شجاع.
يمسح عدستها بقطعة قماش بيضاء، ويفحص شريط الفيلم أمام الضوء، ثم يدفعه ليعبر كلّ تلك العجلات الصغيرة، حتى يصل إلى ينبوع الضوء.

لحظة يخفت فيها العالم
حين تُطفأ الأنوار في الصالة، كان يشعر بأن العالم كله يتوقف ليسمع نبض الماكينة.
يضع يده على مفتاح التشغيل، ويراقب الشعاع الأول يخترق الظلام؛ ذلك الشعاع الذي يولد مثل طفلٍ يبكي لأول مرة، ثم يكبر ويتمدد حتى يغمر الشاشة.
وما إن يسمع أول همسة من الجمهور، حتى يعرف أن الفيلم بدأ يسحبهم إلى عالمه.

بطولة بلا تصفيق
كم مرة توقّف الفيلم فجأة؟! وكم مرة سمع الجمهور يتململ في الأسفل؟!
تلك اللحظات كانت ميادين بطولته. يقفز إلى الماكينة، يصلح القطع المحترقة، يوصل الشريط المقطوع كجرّاح يضمّد جرحاً.
يعود الضوء إلى الشاشة فيصفّق الناس للبطلة أو البطل، بينما البطولة الحقيقية بقيت معلّقة في الغرفة العليا، دون أن يعرفوا صاحبها.

نافذته الصغيرة.. مسرحه الخاص
كان يرى الفيلم بطريقته الخاصة. لا يشاهد شاشة كاملة، بل أجزاء صغيرة عبر النافذة. يسمع الأصوات مشوشة، فيلتقط النبرة لا الكلمات. ومع ذلك كان يعرف القصة كلّها، يعرف أين سيصرخ الجمهور، وأين سينحني العاشق للفتاة، وأين سيعلو المشهد بالتصفيق.
كان يعيش الفيلم مرتين: مرة عبر الضوء، ومرة عبر الناس.

خاتمة:
كان هذا الرجل يملك القدرة السحرية على تحويل شريط رقيق إلى عالم يعيش في الذاكرة لعقود.
واليوم، حين نتذكر السينما القديمة، نتذكره دون أن نشعر؛ لأنه كان الرئة التي تتنفس بها الأفلام، والقلب الذي يدقّ خلف كل مشهد.

أترك تعليقاً

التعليقات