عقدٌ صامتٌ مع الفقد
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما أتعسه! لقد احترق البيت الذي كان فيه طفلاً. وقف في الشارع المقابل ولم يلتفت، فقد كان يعرف القاعدة جيداً: الذكريات هنا لا تصعد إلى السماء. هي رماد معلق يطير نحو النور ظناً منه أنه نجاة، ولا يدري أن النور نفسه نار النهاية. وأمامه كان الوطن، فأدار وجهه بلا سبب، كأن الرجل فقرة سقطت سهواً من النشيد فقرروا ألا يعيدوا طباعتها. حتى الهواء تعلم الدرس وصار يلتف من شارع آخر، وصار هو خيالاً بلا ظل في وضح النهار.
ردته كل الجهات، وخاطبته كل الأصوات بلكنة لا تشبهه. وحتى أحلامه استسلمت للتقشف، فلم تعد تطلب وطناً، وصارت تبحث عن غرفة في الهامش تقبل به مواطناً بالأقساط. كان يحمل وجعه في كيس قماش، وفيه حجارة جمعها من كل مكان مر به ولم يترك فيه أثراً. يعلقه على ظهره بخيط صبر أكلته الريح، ويمشي على دروب لا تحفظ اسمه. الأرض تمسح خطوته قبل أن يرفع قدمه، والمطر نسي كيف يهبط على الجدب الذي اجتاح روحه.
قلبه لم يعد قلباً، بل صار مدينة انقطعت عنها الكهرباء والذاكرة. يسكنها الحنين كلاجئ مؤقت بلا خيمة، وينقش الحزن على جدرانها المنهكة بأظافره شعاراته القديمة. كان منفياً في بيته، غريباً في صورته المعلقة على الحائط، نازحاً من سطر لم يكتمل في نشيد لا يستطيع ترنيمه.
ومع ذلك كان كل ليلة يرتكب فعلين لا ثالث لهما: يكتب اسمه على جدار لم يسقط بعد، ويزرع نفسه في هواء لا يريده، لعل الريح ذات يوم تخون الخريطة وتمنحه اسمه. لم يكن طينياً، لكنهم امتحنوا طينه كل صباح، ولم يكبر بالسنين بل كبر بعدد المرات التي خُذل فيها ولم ينكسر. لم يغرق، بل تعلم السير على الرمل، ذلك الرمل الناعم المخادع الذي لا يبتلعك دفعة واحدة، وإنما يأخذك على مهل بعقد صامت مع الفقد.
لم يطلب من الحياة أن تكون عادلة، وإنما طلب فسحة صغيرة ليتنفس كما يتنفس الناس، بلا حذر دائم وبلا صوت موت خفي في خلفية كل نهار. لكنه وُلد هنا، في المكان الذي تصرخ فيه الأشجار ولا يسمعها أحد، ويولد فيه الحلم مريضاً في غرفة بلا دواء. كان يعرف هذه البلاد جيداً، يعرف وجهها حين تضحك وهي تبكي، ويعرف كم من الأمل يجب أن يدفعه مقدماً ليحصل على أمان بسيط أو راتب ناقص.
حياته لم تفشل، هي فقط لم تكن له تماماً. كأن أحدهم استعار عمره ليعيش قصته هو، وتركه ليوقع على النهاية بخط يد ليس خطه. لم يشتكِ، فالشكوى صارت ترفاً وقلة حياء ودين؛ في بلاد تعلمك أن الصمت فضيلة، ولم يقنط، فاليأس شيؤٌ لا يملكه.
جلس في آخر الليل ويده ترتجف فوق الورقة. كان يعلم أن ما تبقى من العمر قد لا يكفي ليرمم ما تهدم، وأن كفه المرتعشة قد لا تقدر على رسم ما كان يراه واضحاً حين كان ممتلئاً بالحلم. لكنه كتب. لأن الكتابة كانت اليابسة الوحيدة التي يمكنه الوقوف عليها دون أن تبتلعه الأرض.

أترك تعليقاً

التعليقات