مروان ناصح

مروان نـاصح / لا ميديا -
الدلّال.. صوت السوق وقلب الوساطة
في الأزقّة القديمة، بين محالّ المدينة العتيقة، كان يقف رجلٌ لا يحمل بضاعة، بل كلمة، ولا يبيع سلعة، بل ثقة.
إنه الدلّال؛ الواقف بين من يملك ومن يحتاج، بين العرض والرغبة.

* وسيطٌ بوجه إنسان وقلب سوق
لم يكن مجرّد حلقة اقتصادية، بل روحاً اجتماعية تمشي على قدمين، يعرف الناس كما يعرف الشاعر أبياته، ويحفظ رغباتهم كما تُحفظ الأسرار.

* صوت السوق
كان صوته يعلو فوق الضجيج دون أن يخدشه، ينتشر بين الجدران كنداء مألوف، لا يفرض نفسه، بل يُستدعى.
كانوا يعرفونه من نبرته قبل أن يظهر في منعطف الزقاق.

* وجه الصفقات
لا يعمل بيديه بقدر ما يعمل بابتسامته.
وجهه رأسماله، ولطفه جواز المرور بين القلوب.
يدخل على البائع بثقة صديق، ويقترب من المشتري كمن يقدّم بشرى، ويجمعهما على أرضٍ من الرضا المشترك.

* ميزان الناس
كان الدلّال حارس عدالة السوق.
يعرف قيمة الأشياء، ويوازن بين طمعٍ مشروع وخوفٍ مفهوم.
لا يظلم هذا، ولا يطلق ذاك بلا حساب.
ضميره ميزانه، وسمعته تاجه الوحيد.

* ذاكرة البيوت
كان خريطة بشرية. يعرف من يبيع لأن الحاجة ألحّت، ومن يشتري لأن الحلم ناداه.
يحمل قصص العائلات في جيبه، ويمرّرها بهدوء داخل عقود البيع والإيجار.
لم ينقل سلعة فقط، بل حكاياتٍ تبحث عن استقرار.

* حين تغيّر الزمن
جاءت المكاتب اللامعة، ثم الإعلانات، ثم الشاشات.
غاب الصوت، وحضر النصّ البارد.
صارت الوساطة رقماً، والصفقة بلا دفء. لكن اسم الدلّال بقي علامةً على زمنٍ كانت فيه التجارة إنساناً.

* ظلّ لا ينطفئ
يبقى الدلّال في الذاكرة كظلّ مشتعل بالحياة، رجلاً صنع من الكلام رزقاً، ومن الثقة جسراً، ومن اللطف مهنةً تُذكر بمحبة.

* خاتمة:
الدلّال ليس وسيطاً فحسب، بل فنّان إنساني قوامه الذكاء العاطفي والصدق.
صورة من زمنٍ جميل، كانت فيه التجارة أخلاقاً قبل أن تكون أرقاماً، وكان الإنسان في قلب الصفقة، لا على هامشها.

أترك تعليقاً

التعليقات