مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
مبيّض المواعين.. طقس النار الأخير في بيوت الفقراء
قبل أن يصبح الاستبدال أسهل من الإصلاح، كان للنُّحاس عمرٌ أطول من أعمار أصحابه أحياناً.
وحين يتعب، لا يُرمى، بل يُسلَّم إلى رجل يعرف كيف يعيده صالحاً للحياة.
مبيّض المواعين لم يكن حرفيّاً عابراً، بل حارس المطبخ الشعبي، وواحداً من آخر من آمنوا بأن الأشياء تُشفى.

وصول الخريف ووصوله
كان يمرّ مع الخريف، كما تمرّ البرودة الأولى على البيوت.
يعرف أن الشتاء يحتاج قدوراً جاهزة، وأن الحساء لا يُطبخ في معدنٍ متعب. حضوره موسميّ، لكن أثره سنويّ.

العدّة: فقرٌ منظم
ينصب عُدّته قرب البيت، على الأرض مباشرة، بلا حواجز.
حفرة صغيرة، نار، قطعة رصاص، وأدوات يعرفها وحده. كل شيء بدائي، لكن لا شيء مرتجل.

طقس النار
حين تشتعل النار، يصمت الحي قليلاً. النساء يراقبن، والأطفال يقتربون بحذر.
الرصاص يذوب، والنحاس ينتظر مصيره، كأنه كائن حي يعرف أن الألم مؤقّت.

المسح: إعادة كتابة السطح
يمسح بطون القدور وظهورها، بحركة سريعة حازمة. لا يلمّع، بل يبيّض.
البياض هنا ليس جمالاً، بل صلاحية جديدة للحياة؛ أن تعود الطنجرة آمنة، قابلة للطهو، قابلة للعائلة.

الزبائن: بيوت كاملة
لم يكن زبونه شخصاً، بل بيتاً بأكمله. كل طنجرة تحمل ذاكرة: عرساً، عزاء، حساء شتاء طويلاً...
وهو لا يسأل عن الحكايات، لكنه يلمسها بيديه.

الخطر الصامت
كان الجميع يعرف أن الرصاص سام، وأن النار ليست لعبة... لكن الحاجة أعلى من الخوف. الفقر لا يسأل عن السلامة، بل عن الاستمرار.
وهكذا كان مبيّض المواعين يمارس مهنته بين الوعي والمجازفة.

الرحيل بعد الاكتمال
حين تنتهي القدور، يطوي عدّته، ويترك الأرض كما كانت.
لا يلتفت كثيراً، فهو يعرف أنه سيُستدعى في موسم آخر، وفي حي آخر.

خاتمة:
اختفى مبيّض المواعين حين صار النحاس رخيصاً، والأواني بلا ذاكرة.
لكن صورته بقيت كرمزٍ لزمنٍ كان يُصلح قبل أن يستهلك، ويؤمن أن النار، إذا أُحسن استخدامها، تعيد الأشياء إلى أهلها.

أترك تعليقاً

التعليقات