مروان ناصح

مروان ناصـح / لا ميديا -
الحاجب: الرجل الذي يقف على باب الملوك والمسؤولـين
في الزمن الجميل، لم يكن باب القصر أو المحكمة أو الإدارة بابًا عاديًا، يُفتح ويُغلق بلا معنى، بل كان فضاءً رمزيًا يفصل بين الداخل والخارج، بين السلطة والناس، وبين القرار وانتظاره. وعلى هذا الباب، وقف رجلٌ له حضوره الصامت، وهيبته الخاصة: الحاجب.
كان واقفًا كأنه ساعةُ الرمل التي لا تنقلب إلا بإذن، وكأن الزمن يمرّ من بين أصابعه ببطءٍ محسوب.
لم يكن مجرد موظف، بل وجه المؤسسة، وصوتها الأول، وميزانها الخفيّ.

الحاجب في التاريخ والذاكرة
عرفت الحضارات وظيفة الحاجب منذ نشأة الحكم المنظم، فكان حاضرًا في قصور الخلفاء، ودواوين السلاطين، ومجالس القضاة. 
وقد ارتبط اسمه بالانضباط والسرية وحفظ النظام.
يقف في ذاكرة الأمس مثل نخلةٍ عتيقة في ساحة القصر، لا تثمر كلامًا، لكنها تظلّل المكان هيبةً ووقارًا.
ظلّ حضوره علامة على أن وراء هذا الباب سلطةً لا تُنال إلا بالصبر.

بوابة السلطة الأولى
لم يكن الناس يصلون إلى المسؤول مباشرة، بل يمرّون عبر الحاجب، كأنهم يعبرون جسرًا غير مرئي.
كان يستقبل الوجوه، ويقرأ الطلبات في العيون، ويميّز بين العجلة والتوسّل.
كان الباب خلفه بحرًا من الأسرار، وهو الشاطئ الوحيد الذي يسمح للأمواج أن تقترب أو ترتدّ.
فمن شاء العبور، وجب أن يحسن السباحة في بحر الانتظار.

فنّ الانتظار وصناعة الصبر
يومها كان الانتظار مدرسة أخلاقية، وكان الحاجب معلّمها الأول. تحت نظره، يتعلّم الناس كيف يجلسون بهدوء، وكيف يضبطون أعصابهم.
كان الانتظار في حضرته مسبحةً طويلة، يحرّك الناس حبّاتها واحدةً واحدةً بالصبر، دون تذمّر أو ضجيج.
فلا صوت يعلو، ولا فوضى تُحتمل.

بين الصرامة والإنسانية
صرامته الظاهرة، كان الحاجب إنسانًا يعرف الألم والحاجة والضعف. كثيرًا ما رقّ قلبه لمظلوم أو فقير، فسهّل له الطريق.
خلف صرامته، كان قلبه نافذةً صغيرة في جدارٍ سميك، لا يراها الجميع، لكن المكسورين يعرفون طريقها.
يمارس إنسانيته بصمت، دون إعلان.

الحاجب والسرّ المهني
من أهم صفات الحاجب حفظ الأسرار. كان يسمع الكثير، ويرى أكثر، لكنه لا يتكلم.
كان صدره خزانةً مقفلة بلا مفتاح، تُحفظ فيها الحكايات، وتموت فيها الشائعات. فالصمت عنده شرف، والكتمان أمانة.

صورة الحاجب في الوجدان الشعبي
في الحكايات والذكريات، احتل الحاجب مكانة خاصة. تارةً رمزًا للعدل، وتارةً للعقبة، وتارةً للأمل.
صار في ذاكرة الناس مثل مصباحٍ قديم في ممرّ طويل، لا يضيء الطريق كله، لكنه يمنع الظلام الكامل. كم من مصير تعلّق بابتسامة منه، أو إشارة خفية.

بين الأمس واليوم
تغيّرت الأبواب، وتبدّلت الوجوه، صار السكرتير محلّ الحاجب، وجلس خلف مكتبٍ من زجاج، تحيط به هواتف ترنّ كالعصافير القلقة، وشاشات تومض كنجومٍ متراقصة، وحلّت الشاشات محلّ النوافذ.
وربما تحوّل الحاجب إلى زرّ في هاتف، وإلى شاشة بلا ملامح، واختفت موسيقى الخطوات، وضاع إيقاع الانتظار، وبهتت الهيبة أمام سرعة العصر.

الخاتمة
رحل الحاجب القديم، ومعه رحلت موسيقى الأبواب الخشبية، وصوت المفاتيح الثقيلة، وهمس الممرات الطويلة.
كان أكثر من رجل يقف على باب، كان ضمير المكان، وميزان النظام، وحارس الاحترام.
وبقي في القلب صدى زمنٍ كان فيه الصمت لغة، والوقار عنوانًا، والانتظار كرامة.

أترك تعليقاً

التعليقات