مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الدّباس.. حارس حلاوة الأيام
هناك مهن لم توجد للعيش فحسب، بل لتكون ذاكرةً من طين وحلاوة وضوءا؛ مهن تشبه الأغاني القديمة التي لا تموت مهما تقدَّم بنا الزمن.
ومن بين هذه المهن يقف "الدبّاس" شامخًا، كأنه حارس لأشجار العنب، ووصيّ على طعم الطفولة، وصانع لتعويذة السُّكر التي كنا نذيب فيها قلوبنا قبل أفواهنا.

كاهن المواسم
الدبّاس هو الرجل الذي تشرق في يديه مواسم العنب، فتتحول عناقيد الخريف إلى أنهارٍ من عسلٍ بارد، يقرأ لغة العنب بعيونه، ويفهم صمت الحبات كما يفهم العارف قصائد العشق.

طقوس النار والعسل
في معمله الريفي أو دكانه الشعبي، كان الدبّاس يصنع طقسًا شبه مقدس: نار هادئة، قدور نحاسية لامعة، صوت غليان يشبه نبض الأرض، ورائحة سُكّرية تخرج من النوافذ كنداء طفولي لا يُقاوَم.
 كان المكان جزءًا من الذاكرة الحسية للناس، يمر المرء بالقرب منه فيشعر أن الحياة تتبسّم.

الدبس.. غذاء الروح قبل الجسد
لم يكن الدبس مجرد طعام.. كان طاقة حب تحفظها الأمهات في البيوت.
يختبئ في بيت "المونة" مع الفرح، وتفتحه الأم حين تفتح قلبها لأبنائها.
تضعه على الخبز مع "الطحينة"، كأنها تفرش على أفواههم شمسًا مصغرة.

تجارة القلب النبيل
والدبّاس لم يكن تاجرًا عابرًا؛ كان جزءًا من أخلاق السوق القديمة، رجلًا يعرف زبائنه واحدًا واحدًا، يعرف بيوت الفقراء كما يعرف بيوت الميسورين.
يعطي هذا علبة ناقصة الثمن، ويؤخر على ذاك الحساب، كأنه يقول: الحلاوة ليست سلعة.. إنها حق إنساني.

سكون الملامح.. وثراء الداخل
كان يمثّل صورة الرجل الهادئ، المتواضع، الذي يشبه طبيعة ما يصنعه: ساكنٌ من الخارج، غنيّ من الداخل.
يعمل بصبر عجيب، كأنه تعلم من العنب أن النضج يحتاج وقتًا، وأن الحلاوة لا تأتي لمن يتعجلها.

بين الحرفة والروح
ومع تغيّر الأزمنة، بدأت آلات الحداثة تزيح هذا الرجل، ولكنْ بقي الدبّاس في الذاكرة رمزًا لنقاء الصناعة اليدوية، ودليلًا على زمنٍ كان الإنسان فيه بعضًا من صنعته، وروحه تمتزج بما يقدّمه، لا مجرد يدٍ تضغط زرًا وتسلم منتجًا بلا ذاكرة.

ظلّ جميل لا يزول
إذا كان الدبّاس مهنة تقليدية، فهو أيضا صورة ثقافية كاملة: رائحة قرى قديمة، ومواسم كروم، وبيوت تزداد دفئًا بمرور الشتاء، وأطفال يلحسون أصابعهم بعد لقمة حلوة ويضحكون.
إنه شاهد على زمنٍ كانت فيه الأشياء البسيطة تصنع أكبر أفراحنا.

خاتمة
هكذا يبقى الدبّاس أكثر من صانع دبس؛ إنه صانع ذاكرة، وناقل موسمٍ من الحقول إلى الأرواح، وحارسٌ لمذاق لا يشبهه شيء.
في وجهه ترى تعب الأرض، وفي يديه ترى صبر العنب، وفي دكانه تُدرك أن الحياة، مهما قست، لن تنسى كيف تصنع حلاوتها.

أترك تعليقاً

التعليقات