مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
التمّار.. حارس الحلاوة وذاكرة النخيل
في الأزمنة الجميلة، لم يكن التمر مجرد غذاء، بل كان قصة حياة، ودفئاً، ورفيقاً للمائدة والرحلة والسفر. 
وفي قلب هذه القصة، يقف "التمّار"، بائع التمر، بوجهه المسمرّ بالشمس، وابتسامته الهادئة، وسلّته المليئة بحباتٍ تشبه اللآلئ البنية. 
كان رسول النخيل إلى البيوت، وحارس الحلاوة الطبيعية التي لا تزول.

البدايات.. سلال من ضوء الأرض
مع أول الصباح، يظهر التمّار في السوق، يحمل سلاله المصنوعة من الخوص، تفوح منها رائحة الشمس والرُّطَب. 
تصطفّ حبات التمر كجنود صغار في موكبٍ من الألوان: عنبري، كهرماني، داكن كليل الصحراء...
كل سلّة تحكي رحلة طويلة من النخلة إلى اليد.

دكان صغير.. وواحة مصغّرة
كان متجره بسيطاً، لكنه يشبه واحة مصغّرة وسط صخب السوق. 
أكياس من القماش، صناديق خشبية، ميزان نحاسي. 
في هذا الركن الصغير، كان الزمن يهدأ، وتجلس الحلاوة بهدوء في انتظار من يختارها.

معرفة بالنخلة.. وفن في الاختيار
لم يكن التمّار يبيع عشوائياً، بل يقرأ التمر كما يقرأ القارئ كتابه المفضل. 
يعرف الطريّ من اليابس، والعسل من الحامض، والموسمي من المعتّق...
يمدّ لك حبة صغيرة لتذوقها، ويقول بثقة: "هذه تناسبك"، وكأنه يختار لك قطعة من ذوقه الشخصي.

البيع.. حكاية قبل أن يكون صفقة
بين الميزان والسلّة، كان يدور حديث دافئ: عن الموسم، عن المطر، عن النخل، عن أيام الخيرات...
لم تكن عملية البيع صامتة، بل مفعمة بالحياة.
تشتري التمر، وتغادر بحكاية صغيرة وابتسامة إضافية.

الصدق.. ميزانه الحقيقي
كان ميزانه لا يخطئ، لا في الوزن ولا في النية. 
يضيف حفنة صغيرة "للبركة"، ويقول: "هذه من القلب".
لم يكن يغش، لأن رزقه مرتبط بسمعته، وسمعته مزروعة في قلوب الناس كالنخلة في الأرض.

حين تغيّرت السوق.. وبقي الطعم
مع ظهور المتاجر الكبرى والعلب البلاستيكية اللامعة، تغيّر شكل البيع. صار التمر محاصراً بالملصقات والأرقام. 
لكن طعم تمر التمّار القديم بقي مختلفاً، لأنه مشبع بكرم اليد، والروح، ودفء العلاقة الإنسانية.

التمّار اليوم.. بين الذاكرة والاستمرار
لا يزال بعض التمّارين يقفون في الأسواق الشعبية، يحملون الروح ذاتها، والابتسامة ذاتها. 
ربما تغيّرت الأدوات؛ لكن الجوهر بقي: رجل يبيع ثمرة النخيل، ويمنح الناس جزءاً من تاريخهم مع كل حفنة تمر.

خاتمة:
التمّار لم يكن بائعاً فحسب، بل وسيطاً بين النخلة والبيت، بين الشمس والمائدة، وبين الماضي والحاضر. 
في سلّته كانت تختبئ الحكايات. وفي صوته كانت تسكن الطمأنينة. 
وحين نستعيد صورته اليوم، نستعيد زمناً كان فيه البيع فعل محبة، وكانت الحلاوة تأتي من الأرض.. ومن القلب معاً.

أترك تعليقاً

التعليقات