الخونج: فكرةٌ بأكثر من وجه
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا نكتب عن الخونج من باب التشهير والتسقيط، فالتشهير صنعة المأزومين، والتسقيط حيلة العاجزين عن الفهم.
ولا نكتب عنهم لنقول إنهم منتهى السوء ومنتهى الانتهازية والدجل والكهنوت، فالسوء أوسع من تنظيم، والانتهازية أقدم من جماعة.
نحن نكتب عنهم كنموذج.
نموذج شامل يعبر عن صنف بشري أفسد الدين والدنيا معا، وكذب على الله والناس معا، وجعل من المقدس سلما للوصول، ومن الدين ستارا للمعائب والمفاسد والانحرافات.
نموذج متكرر بأكثر من شعار، وتحت راية أكثر من تنظيم أو حركة، وبلكنة أكثر من مذهب.
لذلك نخشى على أنفسنا، لا منهم، بل من تكرارهم. نخشى أن نعيد التجربة الخونجية بوجوه جديدة، وأفكار جديدة، وقرارات جديدة، وتصرفات ومواقف ومعالجات تختلف مع الخونجية في الشكل والوسيلة، وتلتقي معهم في المضمون والنتيجة، وفي الهدف والغاية.

اليمن: دارا إسلام وكفر
في أواخر الستينات صار الخونج يطرحون أن اليمن قسمان لا ثالث لهما.
قسم يمثل دار الإيمان، وهو الشمال. وهو في لغة الحرب الباردة يمثل المعسكر الرأسمالي، معسكر السعودية وأمريكا.
وقسم آخر يمثل دار الكفر، وهو الجنوب. وهو يمثل المعسكر الشيوعي، معسكر الاتحاد السوفيتي وأحرار الجنوب.
هذا التقسيم لم يكن وصفا للواقع، بل كان اختراعا للواقع. كان وظيفة لا فكرة.
وظيفته أن يحشد الشمال أيديولوجيا، وأن يبرر وجود معاهد لا تدرس الدين، بل تدرس التعبئة.
لذا انتشرت في اليمن الشمالي المعاهد العلمية وهي مدارس دينية للتحشيد ضد الشيوعية، وبلغ التوظيف ذروته بعد الوحدة 1990 ثم حرب 1994.
البداية كانت بذرة في غير تربتها: أول معهد تأسس 1972 في مسور خولان شرق صنعاء -منطقة زيدية خالصة- لاختراقها وهابيا، بعد أن فاتح القاضي يحيى لطف الفسيل الشيخ حسين علي الصلاحي، وسبق ذلك علاقة مصاهرة بين الاثنين وصداقة كبيرة. ثم صارت رسميا عام 1974، ثم تطورت لتصل إلى 500 معهد عام 1982، ثم إلى 1200 معهد و600 ألف طالب عند إغلاقها عام 2002، حين طبقت الحكومة قرار إلغاء المعاهد وتوحيد التعليم متذرعة بالحرب ضد الإرهاب بعد تفجير كول 2000 وقبل 11 سبتمبر.
كانت دولة داخل الدولة: خط تعليمي مواز سيطر عليه الإخوان، ميزانية ضخمة لا تخضع لرقابة وزارة المالية، خبرات مستوردة عبر التنظيم الدولي من مصر والسودان وسوريا، حتى بدون شهادات، وتلاميذ يدرسون أن الجمهورية كفر، والديمقراطية كفر، والقومية كفر.

اختراع العدو: حين يصبح الفلاح شيوعيا
استشعرت قوى الرجعية وأدواتها المحلية من شيوخ قبليين وتجار دينيين ومستغلين ونافذين وجود طلائع لفكر ثوري تحرري في المناطق المختلفة في الشمال، لاسيما في المناطق الوسطى: إب وتعز والبيضاء وذمار.
كان فلاحون يطالبون بأرض، ومعلمون يطالبون بمدرسة، وشباب يطالبون بجمهورية حقيقية.
فاخترعوا لهم اسما يبيح دمهم: خطر الشيوعية يهدد اليمن الشمالي.
وما كان هناك سوى حروب عصابات يسارية ثورية حرة كانت تعرف باسم الجبهة الوطنية في المناطق الوسطى، وتلقت دعما من أحرار اليمن الجنوبي منذ 1971.
لكن هذا الاسم المخترع كان كافيا ليدفع رؤساء اليمن الشمالي إلى دعم الجماعات الدينية باعتبارهم أفضل سلاح أيديولوجي ضد الفكر التحرري، حتى نجحت الدولة أخيرا في القضاء على الجماعات التقدمية عام 1982 بعدما استعانت في أواخر السبعينات بمقاتلين من الإخوان شكلوا ما يعرف بالجبهة الإسلامية.
هكذا كانت الجبهة الإسلامية أول نتاج لتزاوج السلطة الاستبدادية مع تنظيم الإخوان. زواج المال بالفتوى، والبندقية بالمصحف. فضاعت الحقيقة تحت ستار اللحى الطويلة المسبوغة بدم الأحرار.

أترك تعليقاً

التعليقات