الذات المستعارة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
نحن لا نُقاس اليوم، نحن نُصنع بالقياس. في زمن صار فيه الإنسان رقماً ومشروعاً ومؤشر أداء، لم يعد سؤال من أنا سؤالاً فلسفياً، بل سؤال بقاء. هل أنا ما أعيشه، أم ما يُقال عني إنني أعيشه؟ هنا تولد الذات المنحرفة. ليست منحرفة أخلاقياً، بل منحرفة عن مسارها. ذات انجرفت بعيداً عن تجربتها الحية حتى صارت هوية مشيدة حول أرقام وصور وتوقعات لا علاقة لها بما تشعر به فعلاً. ذات تفصل بين التجربة والوصف حتى يصير الفصل هو القاعدة والاغتراب هو الوطن.
وهنا تظهر المرآة المشوهة. نظرية قديمة تقول نحن نعرف أنفسنا بمقارنة أنفسنا بالآخرين. كانت صحيحة حين كان الآخرون بشراً حقيقيين حولك. أما اليوم فالآخرون منتقون ومفلترون ومختارون خوارزمياً. آلة تختار لك أجمل الوجوه وأنجح القصص وتكررها حتى تظن أنها القاعدة. وما يُكرر يصير طبيعياً وما يُهمش يصير غير موجود. فإذا لم تر نفسك في الصورة اقتنعت أن الخلل فيك لا في المرآة. والأخطر ليس الجمال بل الهوية كلها. فالخوارزمية صارت وسيطاً يُسقط فيه القلق الجماعي والهويات والأعراض، ثم يلتقطها المراهق ويعيد دمجها كتعريف لذاته. تشاهد فيديو عن القلق تعطيك عشرة، تشاهد فيديو عن التوحد تعطيك مائة، حتى تصدق أن هذه هي أنت. تعطيك قالباً جاهزاً لفوضاك، قالباً متماسكاً له جمهور ومعترفا به. وهنا يصير التشخيص هو النهاية لا البداية. الفضاء الذي كان يسمح لك أن تجرب وتلعب وتتشكل ببطء صار فضاءً محتلاً يستدعيك إلى هوية جاهزة تغلق الأسئلة بدلاً من أن تفتحها.
حين تُقاس النفس بالأرقام يبدأ الانقلاب. في 2007 ظهر مصطلح الذات الكمية: تتبع نفسك بالأجهزة لتعرف نفسك. بدأ كأداة وعي وانتهى كتقنية سلطة. الرقم لم يعد يعكس الحياة، صار يصنع الحياة. لم يعد الإنسان يقول أمشي عشرة آلاف خطوة، صار يقول أنا شخص يمشي عشرة آلاف خطوة. تحول الفعل إلى صفة والصفة إلى هوية والهوية إلى سجن. وهذا السجن لا يُقفل عليك وحدك، لأن بياناتك لا تُقرأ وحدها، بل تُقارن باستمرار مع بيانات الجميع.
ثم تكتمل الحلقة بالذات المؤداة. في 1959 قال غوفمان: الحياة مسرح، والذات ليست شيئاً خلف الأداء بل نتاج الأداء نفسه. في زمن المنصات هذه ليست نظرية بل وظيفة يومية. ما يبدأ تعبيراً عن الذات ينتهي تقديماً للذات. لا تنشر ما تشعر به، تنشر ما تظن أنه سيُعجب. لا تتكلم بلغتك، تتكلم بلغة الخوارزمية. فتتحول من فاعل إلى ممثل ومن تجربة إلى صورة تجربة. وهكذا تُقاس فتُقارن فتؤدي. تُقاس بالأرقام فتصدق أنك رقم، وتُقارن بصور مثالية فتصدق أنك ناقص، وتؤدي ما يُتوقع منك فتصدق أن أداءك هو أنت. والنتيجة ذات ممتلئة بكل شيء إلا بنفسها، لها ألف متابع وليس لها أخ واحد في التمزق.

أترك تعليقاً

التعليقات