هذا ما يُهمني
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لقد أحببت وعشقت كل تلك الشموس والأقمار المضيئة في سماوات الإنسانية، الدائرة مع الحق حيث دار، المسخرة وجودها وفكرها وحركتها ومصيرها للإنسان المقهور المظلوم المستضعف الجاهل المستعبد الذليل، فهي نوره في كل مراحل ليل غربته الطويل، ودليله في رحلة منافيه التي لا تنتهي، وملاذه في زمن الوحدة والخوف، وعزاؤه في لحظات التخلي والجحود من قبل الأهلين والأصدقاء.
أنا لا أحبهم فحسب، بل أقدسهم، لماذا؟
لأنهم كانوا زيت وذبال ومصباح كل ثورة، ولأنهم لم يكتفوا بإنارة عقول وقلوب المعذبين في الأرض، بل دلوهم على سبل الخلاص، وآمنوا بالإنسان الى الحد الذي جعلهم مستعدين لدفع حياتهم ثمناً لذلك، ويجعلوا كل ما قد يلاقونه في مسيرة الإحياء لموات البشرية ضريبةً مستحقةً لكي يعم نور الحق والحقيقة الأرض قاطبة.
وما أعظمه من حب، وما أقدسهم من رجال! ولو عرف كل فردٍ طبيعة الثمن الذي يدفعه هؤلاء المستنيرون حينما  ينحازون له كإنسان ضد كل سلطة لقدسهم مثلي، وأعطى على حبهم ماله ودمه وروحه.
إن التتبع لسيرة ومسيرة هذه الثلة العظيمة هي بحق: دراسة في تاريخ الألم الإنساني الدائم المقدس. إنهم خلاصة الكمال، وحقيقة كل شيء له معنى، فإن قلنا: هم الأحرار؛ فعن أي أحرار نتحدث؟
هذه الثلة هم الإنسانية الموصولة بالخالق، لأنك حينما تقوم بالدراسة لتاريخهم؛ فإنك ستجد أناساً انعكست نفخة روح الله في عالمية رؤآهم ومنطلقاتهم وهمومهم وأهدافهم وتطلعاتهم. لا تراهم حين يضحون من أجل مذهب، أو طائفة، أو حزب، أو راية، بل من أجل الإنسان كل إنسان.
أدري أنني أتحدث عن صنف نادر من البشر، عبر كل القارات والعصور، لكنهم موجودون في نهاية المطاف. لقد قرروا أن ينحازوا لطرف واحد فقط: الإنسان المقهور. لا لشيء إلا لأنه مقهور.
لذا استحقوا المجد والمحبة والإكبار والذكر، ولا يهمني إن كانوا مؤمنين أو ملحدين، مسلمين أو مسيحيين أو بوذيين. ما يهمني فقط هو أنهم: عاشوا للناس، وماتوا من أجل الناس.
وهذا هو معيارنا الوحيد للحق والحقيقة.
إن أهم ما يعلمه لك هؤلاء هو: فلسفة القانون الكوني للاضطهاد، فتعي بعد ذلك لماذا يُعاقب من يدافع عن الضعفاء في كل زمان ومكان؟
لأن التاريخ البشري كله مبني على معادلة واحدة: قلة تملك كل شيء، وكثرة لا تملك شيئا. وهذه القلة لا تحكم بالسلاح فقط، بل بفكرة. فكرة تقول: هذا الوضع طبيعي، إلهي، أبدي. يأتي المستنير ويكسر الفكرة. يقول: هذا الوضع ليس طبيعيا، بل هو مصنوع. وبما أنه مصنوع، يمكن هدمه.
هنا يتحول من ناقد إلى خطر وجودي. السلطة تستطيع أن تتحمل لصا، لكنها لا تستطيع أن تتحمل من يقول للناس: أنتم لستم فقراء مستضعفين بالخلقة، أنتم ضحايا لطبقة وحلف ثالوثي مقيت..
ولهذا، آلية العقاب واحدة في أثينا وروما وبغداد وباريس وكيب تاون وكل مكان:
1. مصادرة الإنسانية: أنت لست إنسانا، أنت كافر، مهرطق، خائن، عميل، مجنون.
2. حرق الأثر، وكسر القلم، وقطع اللسان، وكتم الصوت: منع الكتب، إغلاق المدارس، حرق المخطوطات، فصل من العمل.
3. نزع وتغييب ومحو الجسد: سجن، تعذيب، نفي، قتل.
كل مصلح في التاريخ مر بهذه المفارز الثلاث.

أترك تعليقاً

التعليقات