إمبراطورية الاستعباد المعرفي
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
«لا تكن عبداً وقد خلقك الله حراً» مقولةٌ لسيد وإمام العدل والعلم والحرية والثبات والوعي والبصيرة: علي بن أبي طالب (ع) وهو هنا عليه السلام، يحذرنا من عبودية أخطر بكثير من «الاسترقاق» إنها «العبودية المعرفية» و»عبودية الطاعة المطلقة» وهذه هي الماحقة فعلاً.
أنْ تنتمي إلى جماعة أو حزب أو حركة: يعني: أنْ يكون انتماؤك قائماً على قناعتك بمشروعهم، والذي يصبح بالنسبة لك ولهم أقرب ما يكون إلى عقد بينك وبينهم؛ لا يجوز الإخلال به، ولا تجاهل الالتزام بأي بند من بنوده. وهذا ما يجعلك حراً بمنظور سيد الوصيين وإمام الموحدين. أما حين يصبح انتماؤك قائماً على الطاعة للأشخاص، مهما كان الأمر، والانبراء للدفاع عنهم بالحق والباطل، والتبرير لكل سقطاتهم؛ فقد صرت عبداً مملوكاً، وعند قبولك بمخالفة المشروع؛ تصير عابداً لهم من دون الله، «فمَن أعان ظالماً فقد عبده».
لقد وجدت عبر التاريخ «إمبراطورية الاستعباد المعرفي» وما تفعله الإمبراطورية هذه دوماً هو: إعادة صياغتك بما يتفق وواقعها التسلطي البعيد عن الحق والعدل، وهي بذلك لا تنتج فقط واقعا سياسيا أو عسكريا؛ إنها تنتج الصور. إنها تخلق صورة لنفسها، وأولئك الذين يعيشون داخل تلك الصورة يرون العالم من خلال تلك الصورة. لا تستند هذه الصورة عادة إلى كذبة كاملة. إذا كان الأمر كذلك، فسيكون واقعها ضعيفا وهشا. تكمن قوتها الحقيقية في كونها مبنية على حقائق واقعية في الشكل.
من منظور نفسي، ليس لدينا وصول مباشر وخام إلى الواقع الموضوعي. ما نراه ونعرفه ونؤمن به يتم تصفيته من خلال الإدراك الذي تم تشكيله بمرور الوقت ومن خلال التجربة والتكرار والشعور والتدريب والمقارنة. هذا هو المكان الذي تصبح فيه الدعاية قوية حقا. لا تعمل الدعاية بشكل أساسي من خلال قول الأكاذيب الواضحة. الكذبة الواضحة ضعيفة للغاية. تعمل الدعاية الحقيقية من خلال تشكيل وقولبة ما يكون لديك هو المعنى الجذاب نفسه.
في علم النفس، يمكن اعتبار هذا شكلا من أشكال المرشح المعرفي. لا يتفاعل البشر مع العالم كما هو موضوعي، ولكن مع العالم كما يتم تفسيره من خلال الذاكرة والعاطفة والتكرار والمقارنة والمكان والمكافأة والعار والتعرض المطول. يبني العقل أنماطا بمرور الوقت. يمكن تسمية هذه الأنماط بالمخططات وأنماط التقييم أو أنماط التقييم والتوقعات والمرشحات المعرفية. تحدد هذه الأنماط ما نولي اهتماما به، وما نتجاهله، وما نثق به، وما نخشاه، وما تعنيه الأحداث.
عندما تصبح هذه المرشحات مستقرة، فإنها لم تعد تبدو كتفسيرات؛ بل تبدو هي الواقع نفسه. لم يعد الإنسان يقول «هذه هي الطريقة التي أفسر بها»، لكنه يعتقد أن «هذا هو العالم». وهذا هو بالضبط المكان الذي تمر فيه الدعاية عبر سطح الرسالة وتدخل في بنية الإدراك. الدعاية لا تخبر الرجل فقط بما يفكر فيه، وما يعلمه، بل ما يجب أن ينظر إليه على الإطلاق، موثوق، جميل، حديث، متخلف، خطير أو لا قيمة له.
لهذا السبب، فإن إمبراطورية الفرعنة ليست مجرد قوة عسكرية أو اقتصادية. إنها قبل كل شيء إمبراطورية القوة المعرفية. إنها تعلم الناس ما يبدو متحضرا، وما يبدو جديرا بالثقة، وما يبدو حديثا، وما يبدو جميلا، وما يبدو متخلفا، وحتى من يبدو إنسانا ومن هو بعيد عن الإنسانية ومسخ وتافه.

أترك تعليقاً

التعليقات