ناهبو الثورات
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
متى نستفيق على انبلاج صبح الخلاص كما حلمنا به؟ متى تنفتح أمامنا الآفاق كي نلمس آثار الصبر والصمود، ونعيش بركة التضحيات؟
ثورتنا: قدس أقداس الثورات العربية نعم؛ ومشروعنا: أتم وأكمل المشاريع النهضوية التحررية التي عرفتها شبه الجزيرة خلال قرن من الزمن نعم؛ وقائدنا: رجلٌ تجلت على يديه معالم بناء دولة العدل الإلهي، وبرز بسيف الحق علويَ السيرة والمسيرة والقول والفعل نعم؛ لكننا نعاني من قلة الحملة؛ الناظرين بعين (عمار بن ياسر) والملتزمين بالولاء التزامَ (مالك الأشتر) الصامدين بقلب صمادي الهوى والهوية، العاملين في كل ساحات التحمل للمسؤولية بروحية مَن يرى نفسه في ساحة حرب، الحريص على ألا تُؤتى الأمة من خلاله.
إننا نرى ثلةً متربصة بنا الدوائر لا سيما بعد أن عدنا من «عسرة غزة» كقوة في طليعة المعول عليهم تحقيق الفتح الموعود، هذه الثلة تغتال الروح للثورة، وتهدم أسس المشروع بكل ثانية ودقيقة، وتسلبنا بالتدريج كل شيء، فكلما أطلقنا العنان لأحلامنا بغدٍ أفضل، نعيش فيه براحة بال وهدوء، منعمين بالأمن والاستقرار نفسياً وواقعياً؛ فوجئنا بألف ومليون شاهد ودليل تقول لنا جميعها: بأننا نحلم بالمستحيل، نعم المستحيل. فمثلنا ليس من حقه أصلاً أن يحلم بغدٍ أفضل، حتى في المنام، لكوننا سُرِقنا كل شيء نستطيع من خلاله أن نقول عن أنفسنا: إننا موجودون، لنا ذواتنا وكياناتنا الإنسانية المكرمة، ذات القدرة على الفعل والتفكير المبدع الخلاق، الذي يدل على وجود إرادة مستقلة، ووعي شامل، ونفوس وعقول حرة، تتمسك بحقها في الحياة الكريمة، وتدافع عن أحلامها وآمالها وطموحاتها بكل ما تستطيع، وهي على استعداد دائم للتضحية بوجودها من أجل أن تتحقق للأجيال من بعدها كل تلك الأحلام والآمال والطموحات.
هؤلاء هم امتداد للماضي بثوب الحاضر، ويد العمالة الممتدة لحرق كل زروع تضحياتنا، ويجب أن نعي: أن الذين عملوا على تدمير أوطاننا بالأمس، هم أنفسهم الذين يعملون اليوم، وسيعملون في الغد كذلك على تدمير إنساننا، كما أن مشكلتنا ليست فقط مع المحتل الأجنبي، أو مع قوى الاستكبار العالمي، وأدواته ووكلائه من ناهبي الثروات، ومحتكري الدواء والغذاء، ومالكي العقارات السكنية، بل إن مشكلتنا مع ناهبي الثورات أولاً وأخيراً، فهم الأساس لكل مشكلة، والسبب الذي يقف خلف كل خطر، والمصدر الرئيس لكل ما نعيشه من آلام ومعاناة وجهل وتخلف وفقر وأمية وبطالة وضياع وتشرد وحرمان وشتات وفرقة وغبن. إنهم القتلة الحقيقيون، والمجرمون الأشد جرماً من كل مجرمي العالم عبر الزمن كله.
أليس من حقنا أن نمقتهم ونزدريهم ونلعنهم، وقد تساوى في ظل نشاطهم الدائم أمسنا ويومنا، وبتنا نخشى أن يكون الغد أسوأ من اليوم؟
بلى من حقنا كل ذلك وأكثر؛ في كل وقتٍ وأوانٍ وحين، ودون استثناء؛ فآخرهم أسوأ وأحط وأحقر من أولهم، وخلفهم أخزى وأوسخ وأدنى من سلفهم.
ناهبو الثورات هم العدو الأزلي للشعوب عبر الزمن؛ فهم من جعلونا نحسب حساب القوت والمسكن قبل أن نقول أو نفعل أي شيء يخدم الحق والحقيقة، أو بمعنى أدق؛ إنهم الذين حولونا إلى مجرد عبيد أذلاء لهم، همنا الوحيد هو كيف نؤمّن لأنفسنا ومَن نعول المأكل والمشرب والملبس والدواء والمسكن، وكل ما من شأنه أن يحقق لهم حياة آمنة ومستقرة، وبأي ثمن!

أترك تعليقاً

التعليقات