طريق نيل الاستقلال والحرية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كل مشكلاتنا كشعوب عربية وإسلامية هي في جوهرها؛ ناجمةٌ عن عدم فهمنا لحضارتنا، وانصرافنا عن تاريخنا المشرق بكل ما احتواه من رموز وأعلام، واشتمل عليه من عوامل ومقومات للبناء الحضاري القوي والتام، الأمر الذي سلبنا القدرة على الارتفاع بفكرنا إلى مستوى الأحداث والتجارب الإنسانية، التي متى ما اقترب منها الفكر استطاع مدنا بكل ما نحتاجه من حلول لكل المشكلات المعقدة التي يعاني منها واقعنا، كما جعلنا نمر على الأشياء مروراً عابراً، ونتعامل معها تعاملاً سطحياً، ففقدنا بممارسة هذا الأسلوب القدرة على النفاذ إلى عمق كل ما يدور من حولنا، لنظل بعيدين كل البعد عن فهم واستيعاب العوامل التي تبني الحضارة، أو تهدمها.
إن الاستقلال والحرية لا يمكن بلوغهما لدى مجتمعاتنا ما لم يتحققا أولاً في الواقع الفكري والثقافي، إذ لا بد أن نتفهم ثقافتنا على نحو مستقل، فكل أمة لها ثقافتها ومفاهيمها الخاصة بها، والتي من خلالها تستطيع تحقيق كل تطلعاتها وفق ما تبلور لديها من عناصر استقرت في بنية وعيها الجمعي المكتسب من التربية، لذلك نجد أن سلوك الأفراد، وأساليب الحياة يختلفان من مجتمع لآخر، بل إنك لو أردت الحصول على تفسير ظاهرة ما، أو قضية معينة عند هذا المجتمع أو ذاك؛ فإنك ستحصل على عدة تفسيرات تبعاً لتعدد المنطلقات والأسس الفكرية التي يقوم عليها وجود تلك المجتمعات، فنحن كمسلمين لدينا رؤية أخلاقية، هذه الرؤية تختلف تماماً عما يصطلح عليه الأوروبيون؛ بالمظاهر الجمالية، كما تختلف كذلك عن مفهوم التربية الروحية عند الهنود، ولا بأس أن نأخذ روايات شكسبير مثلاً لتوضيح الفرق بين كلا النظرتين الغربية والإسلامية، فعبقرية شكسبير عادةً ما كانت تنتهي إلى العقدة، التي يقتل بها الحبيب حبيبته، ثم يقوم بعد ذلك بالانتحار، فالمتفرج الغربي سينظر إلى ذلك الحدث بقدر كبير من الإعجاب والانفعال، أما المتفرج المسلم فلن يقف ذات الموقف، وبالشكل الذي يجعله يراه ويحكم عليه  بطريقة مختلفة، فهو يستنكر ما كان عند الغربي مدعاة للإشفاق، وسيضحك في كل ما يعده الغربي سببا للبكاء، كما سيعتبر موقف الحبيب إجرامياً، بينما الغربي يعتبره قمة الرومانسية والجمال.
وهكذا ندرك أن لكل حضارة ثقافتها، ولكل ثقافة مبانيها التربوية، وأسسها الفكرية المستقلة، والتي متى ما ارتبطت بالآخر فإنما ترتبط بالحوار والتبادل، وليس بالفرض والإسقاط، أما ما يحقق الغلبة لأي أمة على سواها فهو المبادئ التي تقوم عليها حياتها، ومدى ما لتلك المبادئ من قدرة على التجذر في القلوب، والانعكاس على كل الأفعال والمواقف، فمَن حاز هذه المزايا؛ حاز الغلبة والنفوذ بين كل الأمم.

أترك تعليقاً

التعليقات