حركات كانت ضحية مثقفيها
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
الاطلاع على مسيرة الحركات النهضوية والإصلاحية الإسلامية، بغيةَ الاستفادة من تجربتها، ولو بالحد الذي يمكننا من معرفة نقاط الضعف والقوة التي كانت تمتلكها، وأسباب النجاح هنا، وأسباب الفشل هناك؛ مهمٌ للغاية بالنسبة لنا؛ لأننا ننطلق كشعب يمني من منطلق إيماني، ونلتزم كثوار وأحرار القرآن منهجاً للحياة، ونتبع قرناءه كقادة وهداة، ونطمح لبناء أمة شاهدة على كمال دين الله، الأمر الذي يحتم علينا العمل على اجتناب نقاط الضعف التي وقعت على تلك الحركات، والأخذ بنقاط القوة التي كانت لدى بعضها، والحرص على اجتناب العوامل والأسباب التي أدت إلى فشل وهزيمة وموت الكثير منها، أو انحرافها المنهجي والفكري والسلوكي. ولعل أبرز العوامل التي أدت بتلك الحركات إلى الفشل والتراجع والانكفاء، وبالتالي السقوط التام هو علماؤها ومثقفوها وكتابها، الذين كانوا يعيشون المثالية المفرطة، التي جعلتهم ينطلقون بسرعة البرق، ومن واقع تحكمه العاطفة الصادقة في إحداث نقلة نوعية في الأمور كلها، نحو التغيير والإصلاح، متسلحين بالحماس والانفعال الناتجين عما يجدانه من حرقة وألم داخلي، ترجمته مشاعرهم، وسيطر على أحاسيسهم، إذ شهدوا واقعاً مأساوياً لكل أبناء أمتهم، ولم يكن تحركهم مفتقراً إلى الرغبة الجادة والتوجه بإخلاص لتقديم الحلول والمعالجات لكل ما يرونه ويلمسونه من مشكلات ومآزق طوقت الحياة والإنسان المسلم، وكان معظم هؤلاء يندفعون من واقع إيماني، ونزعة إنسانية تحتم عليهم إبداء مدى حرصهم على الناس، وإرادتهم الجادة لتقديم كل شيء يمكنه أن يغير من واقعهم.
لكنهم كانوا يجهلون حقيقة على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية، وهي أنهم تساهلوا مع الواقع، واكتفوا بالإصلاح الفكري، ظناً منهم أن بقية الأمور التي يزخر بها الواقع كله ليست على درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والسوء الذي يجعلهم يتركون جزءا من الندوات والمنتديات والمنابر لمناقشتها، والبحث عن سبل الحل ووسائل المعالجة والتغيير على أساس عملي، وهكذا ظلوا يسبحون في آفاق الخيال المجرد، وينسجون الخطابات والكلمات التي تقدم للجماهير طبيعة تصور أولئك لعالم مثالي، لا مكان له سوى في أفكار ومخيلة الذين نسجوه، وقد نسي أولئك أن الواقع لا تبنيه الأفكار والتصورات التجريدية؛ وإنما تبنيه الأفكار والتصورات المرتبطة به، والقادرة على التحول من ساحة الخطاب الفكري، إلى ساحة العمل، كلبنات للبناء والنهوض والتجديد والتحديث، لبنات تريك نور العقل على أرض الواقع، وتشرح صدق التوجه في كل جانب من جوانب الحياة اليومية للناس من خلال الواقع العملي.
وهكذا لم ينفعهم الحماس الزائد الذي كان يدفعهم للانطلاق، لأنه أعماهم عن معرفة الأشياء التي ستوقع بحركتهم المخلصة ومشروعهم المتكامل فريسةً بيد أعدائهم، ويصبحون جزءا من منظومة أجهزته الاستخباراتية، التي توظفهم من أجل حسم الصراعات السياسية لصالح دولها ومشروعها الاستكباري.

أترك تعليقاً

التعليقات