مرتزقةُ الأفكار
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
الكتابةُ ليست مهنةً، وإنما مهمةٌ رساليةٌ عمادها الوعي، وميدانها الدفاع عن الحق كفكرة وخط وموقف. لذلك لا يكفي لكي يكون المرء كاتباً وجود الموهبة، وتوفر القدرة، ونمو واتساع المعرفة والخبرة؛ فهذه العناصر وعلى الرغم من أهميتها لا قيمةَ لها حينما تتجلى لدى كاتبٍ فاقدٍ للضمير، مجردٍ من الإحساس بالمسؤولية، لا دينَ له سوى بطنه، ولا وجهة ولا قضية ولا موقف يلتزمها مجتمعةً إلا ما يقرره عليه الممولون والداعمون، فهو: دائرٌ مع الدينار والدرهم حيث دارا؛ قلمه: إبرةٌ يخيط بها حجب الظلمات، وأفكارهُ: معولٌ لجز كل منابت النباهة، وصوته: فزاعةٌ يستطيع امتلاكها وتوجيهها مَن يملك القدرة على أن يدفع أكثر.
إن مرتزقة الثقافة والفكر والإعلام أخطر بمليون مرةٍ من مرتزقة السلاح والعسكرة؛ لأن القسم الأول يقتلعك من جذورك، يحول فكرك وروحيتك إلى صحراء لا تنبت سوى الشوك والأعشاب السامة، ولا تقتصر آثار وتبعات ما يلحقه هذا الصنف من دمار على جيل معين، بل يمتد ليقضي على أكثر من ثلاثة أجيال على الأقل.
إن مرتزق السلاح والعسكرة يسفك الدماء، ويدمر الأوطان، لكنه؛ لا يستطيع إماتة الفكرة، ودفن القضية، والقضاء على حياة النهج والخط؛ لأن كل قطرة دم سيسفكها كفيلةٌ ببعث آلاف المنتمين إلى جبهة الحق والعدل، وكلما سقطت روحٌ نفخت صور قيامة ملايين الأرواح من مَن سيقومون بمهمة الإكمال لما اختطه المضحون، والباذلون أنفسهم على مذبح العزة والكرامة، بينما مرتزق الفكر والإعلام قاتلٌ للوعي والنباهة، سالبٌ للحق في الرفض والاعتراض والمقاومة، ماحٍ لكل مقومات الإحساس بالظلم والعبودية وامتهان الكرامة، مجردٌ لمجتمعه من كل عوامل البقاء ولو على أمل بإشراقة شمس يوم جديد يستعيدون به حريتهم وكرامتهم.
إن مرتزقة الأفكار ليسوا حكراً على العدو الخارجي، ولا دواب لدى مجتمعات الاعتلال والامبطاح المستنفط؛ وإنما هم أرض مشاع، وبهائم موقوفة لكل ذي عجز وفساد وتحريف وانحراف حتى ضمن جبهة الحق.
ولكيلا يستيقظ أحدنا ذات يوم وقد صار ضمن ذلك القطيع، عليه: أن يحرص أن يكون هو ذاته، لا يؤطر بإطار، ولا ينقاد لسلطة نفوذ مالي أو سياسي؛ وأن يقول ما يؤمن به، ويرضي ضميره؛ وألا يسلم عقله وقلمه ولسانه لأحد مهما كان الثمن.

أترك تعليقاً

التعليقات