مواقف ذوات البذل.. ما وراؤها؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عندما يقف الواحد منا، وقفةَ تأملٍ، لمواقف أمهات الشهداء، وهن يستقبلن فلذات أكبادهن، استقبالاً موحياً بالقناعة التامة بهذا المشروع، ومؤكداً للاستعداد المطلق باستمرارية السير على طريق ذات الشوكة، حتى يأتي أمر الله سبحانه، كل ذلك يتجلى أمام السامع بأذنٍ واعية، والناظر بعين القلب والفكر، لكل تلك المشاهد، التي تحمل في طياتها الكثير، من مظاهر البشرى والسعادة لدى تلك الأمهات، بتقبل الله سبحانه لقرابينهن، وكأنهن في مواسم فرحة وعرس، إلى جانب ما يصدر عنهن من كلمات وعبارات، تلين لها القلوب، وتتفتت على إثرها الجبال الصم الصلاب، لما تشتمل عليه من معاني العزة، ودلالات الصبر والاحتساب، ومدى الشوط التربوي والإيماني الذي قطعنه، حتى صارت التضحية قيمةً متأصلةً في مواجيدهن وأرواحهن، بل صارت هي الروح ذاتها ودون مبالغة.
وعليه، أليس لمثلنا الحق بأن يتساءل عما وراء تلك المواقف من دلالات وأبعاد، ولاسيما عندما يعرف أن معظم تلك الأمهات من مناطق ريفية، ولم يحظين بأي قدر من التعليم، وفي ذلك لو أدركنا فوائد جمة، والجميع بأمس الحاجة لها، وبخاصة المسؤولين والساسة، لأن من أبرز ما سيستفيدونه:
أن الثورات والحركات يجب أن تبقى مرتبطة بالوسط الأمي الفقير المستضعف المسحوق الذي جاءت منه، ونمت بما أولاها من اهتمام، ورواها بدمه ودموعه وعرقه، لذلك عليها ألا تنفك عنه، ولا تنصرف إلى سواه، مهما حققت من نجاحات، ومهما أحرزت من انتصارات وتقدمات، لأن الثورة أياً كانت عندما تنفصل عن محيطها، وتحتقر منبعها، تفقد جانباً من أهم الجوانب التي تساعدها على البقاء والاستمرارية، وتقيها من الجمود والتراجع والانحراف.
كما أن التوجه لاسترضاء جهات وتنظيمات لم يكن لها موقف إيجابي من الثورة ولم يكن لها إسهام في حدوثها، هو مضيعةٌ للوقت، وإهدار للجهود، حتى وإن سعينا لتبرير ذلك بأن الوضع يحتاج للخبرات والمواهب والقدرات التي لدى هذا أو ذاك فرداً كان أو تنظيماً، لكون القليل من التفكير يوصلنا إلى النتيجة التي تقول: إن دخول مثل هؤلاء في سنخ العمل الثوري، معناه أن تتنازل الثورة عن الكثير من مبادئها وخططها وأهدافها، حتى تصير مقبولةً ومستساغة لدى أولئك، وفي هذا ما فيه من الفشل والخيبة والخسران.
ثم مَن قال إننا لم نجد في أوساط المجتمع ما نحتاجه من مواهب وخبرات، تتطلبها المراحل التي نقطعها، والظروف والمصاعب التي نواجهها، لأن الواقع يؤكد أن مجتمعاً وصل في الصدق مع الله ومع قيادته إلى أن يضحي بأغلى ما لديه، هو مجتمع قادر على أن يثري الساحة بكل ما تحتاجه، ومادام التوجه قرآنياً فإن الله سيتدخل هو في بناء النفوس التي ستبني الواقع، وسيهدي الجميع إلى كل ما له علاقة بما يعينهم على تحقيق النماء والتقدم والقوة والازدهار، المهم أن تتخلى النخبة عن أنانيتها، وضيق أفق النظرة لديها، وأن تصغي إلى دروس وعبر الثورة ومحيطها، وألا تجعل من مواقعها محط جمود، ومقاماً للملكية الشخصية والتسلط والاحتكار، وأن تولي الوسط الثوري الشعبي جزءاً من اهتمامها الذي توليه لزعماء التنظيمات والمشائخ والأعيان، والشخصيات ذات الثقل والمقام العالي.

أترك تعليقاً

التعليقات