منطق عجل العالم الحديث والمعاصر
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كم تغرينا الشعارات الرنانة، والأطروحات التي قدمها الأمريكي عن نفسه، إلى المستوى الذي جعل الكثيرين يؤمنون بأن الولايات المتحدة قامت على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية! ولو أننا كعالم مستضعف توجهنا لمعرفة أمريكا، أو «الأنجلوسكسونية» والإمبراطورية التوراتية من خلال الأسس التي انبنت عليها فلسفتها وثقافتها ورؤاها السياسية لما دفعنا كل هذه الأثمان من دمائنا وثرواتنا وجوعنا وفقرنا وتمزقنا وضياعنا!
ليست أمريكا إلا صورة للشيطان، تؤله الجشع، وتسعى بكل ما لديها من قوة لإبادة كل جنس بشري لا ينحدر من أصول أنجلوسكسونية! هذا ليس خطاباً عاطفياً، ولا مجرد تنفيس عن الغضب، بل هذا ما تقوله الولايات المتحدة في مقام التفكير والتنظير، والموقف والحركة والفعل، ولا يحتاج المرء سوى لقليل من البحث ليدرك مدى عمق وسعة الجرح الذي تسبب به هذا الكيان على البشرية كلها. نعم، أمريكا؛ هي ذلك البلد الذي ينشب فيه الربا مخالبه في أجساد الفقراء من المهد إلى اللحد؛ فهناك أكثر من خمسين مليون إنسان في دولة التقدم والرفاه يعيشون تحت خط الفقر، شعثاً غبراً! قد لا تصدق، وقد يدفعك عدم التصديق للتساؤل: إذا كان هذا هو واقع القوة العظمى التي صبت وتصب أنهاراً من الثروات على جحيم حروبها التي ظلت أكثر تسعراً وتمدداً كاد أن يلتهم الكوكب على مدى أربعة قرون، فلماذا لا يزال فيها هذا الكم الهائل من البشر الذين لا يملكون قوت يومهم؟
والجواب بسيط: إن أمريكا التي تدمن الحروب، وتعشق العمل على سفك الدماء وإزهاق الأرواح؛ تعيش على منطق عجيب؛ منطقٌ يرى أن الفقر: خطيئة أكبر من أي خطيئة؛ كونه جرثومةً تتنقل عبر الدم، في الأجساد الفقيرة عبر الزمن؛ ويتوارثها الفقراء في كل جيل، وما دامت القضية منطلقة من أصل جيني؛ يتوارثها الآباء عن الأجداد، ويورثها الآباء للأبناء؛ فلا سبيل للتخلص من هذه الظاهرة المدمرة إلا بالقضاء كلياً على الفقراء، سواءً في الولايات المتحدة أو خارجها. نعم، القضاء على الفقراء كجنس بشري، لا على الفقر كظاهرة اجتماعية.
هذا هو منطق عجل العالم الحديث والمعاصر الذهبي، المنطق الذي يرى في الفقراء وصمة عار يجب دفنها، وتطهير الأرض منها. هذا ليس من وحي الخيال، فقد كانت الولايات المتحدة ولا تزال حرباً على الفقراء والمستضعفين، ذاك ما يصفه هربرت غانس Herbert J. Gans أحد أبرز علماء الاجتماع الأمريكيين في كتاب له بهذا العنوان. إنها حرب قتل هستيريّ مباشر، لكنها في أغلب الأحيان قتل للأرواح والفُرَص، ومفاقَمة لبؤس المعوزين وذوي الحاجات، وتسعير لنار الكراهية والحقد على الفقراء والمستضعفين. وهي أيضا حرب إهاناتٍ وزرايات وقذف وشائعات، تتهم الفقراء بفساد الدم وسوء الطوية وتنغيص عيش الآلهة، وتلومهم على ما يشكون منه ويعانون، بل وما يشكو منه المجتمع الأمريكي ويعاني، وتدعو إلى القسوة في معاملتهم، وترميهم بأنهم «لايستحقون» undeserving المساعدة ولا يستاهلون الشفقة والإحسان.

أترك تعليقاً

التعليقات