القات والأمن الغذائي
 

عدلي عبد القوي العبسي

عدلي عبدالقوي العبسي / لا ميديا -
يذكر التاريخ أن اليمن كان من أوائل البلدان التي شهدت حضارة زراعية مزدهرة، وحققت تقدما مذهلا في تقنيات الري الزراعي وحصاد مياه الأمطار في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وأن إنسان هذه الحضارة تميز بالقدرة على إخضاع الطبيعة وتكييف الإنتاج الزراعي والاستفادة من مياه الأمطار في ظروف بيئية ومناخية قاسية ليصنع ازدهارا زراعيا لافتا، وهذا هو الإعجاز الحضاري الذي حققه، وامتيازه التاريخي وتعريفه الحضاري المميز، تؤكد هذه الحقائق التاريخية كتابات المؤرخين الإغريق والرومان الأوائل والنصوص الدينية والأدبية والعلمية الحافلة بالكثير من التوصيفات المعجبة والتي أشادت بالمعالم الحضارية والشواهد التاريخية الأثرية الدالة على عظمة الحضارة الزراعية اليمنية في العصر القديم.
كان هذا الازدهار الزراعي النسبي مرتبطا ومشروطا بطبيعة التحولات الاجتماعية الاقتصادية والتغيرات السياسية، وكان له ارتباط مباشر أكثر بعوامل الاستقرار السياسي، وتشجيع الحكام ودعمهم للزراعة وبناء منشآت الري وحصاد الأمطار لمواجهة تقلبات المناخ والتغير في أنماط الهطول المطري، وتشجيعهم للعلوم الزراعية والفلكية وتعظيم الاستفادة من الخبرة والموروث الشعبي اليمني والعلمي الفلاحي في معرفة أنسب المواعيد الزمنية الفلكية لإجراء مختلف أنواع الخدمات الزراعية ودراسة أنسب البيئات الملائمة لزراعة مختلف أنواع المحاصيل الزراعية.
وتميز هذا النهوض الزراعي بالبعد المعرفي التقني من حيث إنه كان مرتبطا بذلك التقدم الحاصل في علوم الزراعة والفلك والجغرافيا، وهو ما ميز الوسط العلمي التجريبي والنخب المعرفية في بلادنا طيلة أغلب فترات العصور القديمة والوسطى من التاريخ، ومن النماذج على ذلك (مملكة سبأ، والدولة الرسولية، والدولة الزيدية في الشمال)، ومن النماذج العلمية (أبو الحسن الهمداني، والملك المظفر عمر بن علي بن رسول).
تمكن الإنسان اليمني في العصرين القديم والوسيط من تحقيق قدر كبير من الأمن الغذائي، بل وشهد في بعض الفترات التاريخية (العصور الذهبية) ازدهارا لافتا، وكان مضرب المثل في النهضة الزراعية المتقدمة، وهذا يرجع إلى العوامل التالية:
- الاهتمام بتقنيات الري المختلفة والنظم المختلفة للحصاد المطري، وأهمها: تصميم المدرجات الزراعية، وإنشاء السدود والحواجز والكرفانات والصهاريج.
- تعظيم أنماط التكافل والتعاون والعمل الجماعي في الريف والاهتمام بالمحاصيل التي تميزت بها بيئتنا اليمنية كالبن والعنب والحبوب وغيرها.
- التركيز المدهش على أمن الغذاء من خلال الزراعة الواسعة للحبوب بأنواعها في سائر المناطق الجبلية الزراعية السفوح والقيعان وضفاف الأودية، وليس غريبا إن وصفت اليمن بسبب هذا الازدهار الزراعي والمائي من قبل الآخرين بـ»العربية السعيدة» (أرابيا فيلكس).

عصر الخراب والانحطاط
كل هذا المجد الحضاري الذي حققناه وعرفناه في العصرين القديم والوسيط بدأ يتلاشى في العصر الحديث، وأصبح الوضع الزراعي معاكسا تماما وسلبيا إلى أبعد حد، وفقد البلد كل تلك الملامح النهضوية الزراعية والمقومات المتينة للأمن الغذائي والمجتمعي، وخسر تلك الشهرة العالمية في تصدير أنواع من المحاصيل الثمينة، ومثال على ذلك: البن عبر ميناء المخا (بن موكا)، ليغرق إنسان هذه الأرض في دوامة الشحة والفقر والاغتراب والكفاح الشاق من أجل تأمين القوت وأسباب المعيشة لعقود طويلة من الزمن.
ولكن كيف صار الحال اليوم إلى هذه الأوضاع من الانحسار والتراجع والتردي في المساحات الزراعية وفي الإنتاج الزراعي وانعدام الأمن الغذائي وتسارع التصحر وتدهور الأراضي وشحة المياه؟! وكيف ضاعت حكمة الأجداد وخسر الإنسان اليمني حكمته اليمنيه التي اشتهر بها؟!
لا شك أن هناك جملة من العوامل التاريخية والأسباب والتحولات السلبية المدمرة التي قادت إلى هذا المشهد الكارثي، بعضها نتيجة السياسات الخاطئة وأخرى كثمرة سيئة للتحديث التنموي المتسارع وغير المنضبط.. وسنحاول في هذه المقالة أن نسلط الضوء على بعضها بإيجاز ودون تفصيل.

الانفجار السكاني
- معدل ولادة يقارب الـ3.4، وتزايد الهجرة من الريف إلى المدينة، والنشاط الصناعي، والتوسع العمراني، كل هذه العوامل نجم عنها تزايد في الطلب على المياه وهذا شكل ضغطا كبيرا على الموارد المائية.
- لعنة التكنولوجيا والنظام الرأسمالي (إدخال آلات الحفر بشكل كثيف وتسهيل شرائها وعدم مراقبة استخدامها).
- اتباع أساليب ري غير كفؤة (إفراط في استخدام المياه دون ترشيد، واستخدام أساليب تقليدية غير كفؤة في ري المياه؛ مثل الري بالغمر).
- التوسع الجنوني في زراعة القات.
- تغير المناخ وتناقص الهطول المطري (تناقص الهطول المطري في العقود القليلة الماضية بنسبة 20%).
- انتهاج سياسات تحديث وتنمية بدون إدراك علمي لعواقب وتداعيات اختيارات معينة.
إبان فترة الدخول في عملية التحديث بعيد قيام الثورة السبتمبرية كان قرار جلب التكنولوجيا الزراعية إلى البلاد قرارا غير مدروس ولا مراقب، لأنه كان مدفوعا بالجشع الرأسمالي وجنون الربح أكثر منه مدفوعا بمتطلبات التنمية والتحديث، وهذه هي اللعنة التي دفعت اليمنيين إلى خسارة روح الحكمة اليمنية وخسارة الوعي الجمعي التقليدي الموروث من الأجداد، حيث قدمت التسهيلات الحكومية في دعم الوقود وإدخال التكنولوجيا بشكل عشوائي دون تقنين أو ترشيد في استخدامها، وقدمت هذه السياسات إغراءً شديداً في سحب كميات مفرطة من المياه من المخزون الجوفي في عديد من الأحواض المائية؛ أهمها أحواض صنعاء وتعز وصعدة ورداع، حيث تم حفر عدد ضخم من آبار المياه بشكل عشوائي لسقي المحاصيل الزراعية بداية، ثم بعد ذلك الاندفاع المحموم لري نبات القات ذي المردود المالي المرتفع، والذي يستهلك كميات كبيرة من المياه وينمو في ظروف بيئية أقل تعقيداً.
حدث هذا في وقت لم تكن هناك فيه أي سياسات وآليات تنفيذية فاعلة وجادة تمنع الانزلاق في هذا المسار التخريبي المنحرف والمدمر لاقتصادنا ومجتمعاتنا، بعيدا عن النوايا الأصلية والمقاصد الأساسية في إحداث تنمية زراعية للغذاء على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وهو الموضوع السياسي المحبب أكثر في السياسات القومية الوطنية لجيل السبعينيات وقادة الثورة الوطنيين الأوائل.
كان الحماس آنذاك والفخر والإيمان القوي بالمبادئ والأهداف الوطنية الثورية وامتلاك الإرادة السياسية واضحا للغاية في المشهد الإداري التنموي وفي البرامج الوطنية والخطط التنموية.
والعمل يجري على قدم وساق (فترة حكم الرئيس الحمدي نموذجاً) في سياق تحقيق نهضة الأمة واستعادة أمجادها التاريخية الحضارية، حيث تم تقديم حزمة الدعم الحكومي والتسهيلات والتمويلات لغرض زراعة الحبوب والخضار والفاكهة، ولكن بالتوازي (فترة حكم الرئيس صالح) كان يتم غض الطرف عن تلك النزعات والسلوكيات الرأسمالية الزراعية غير المنضبطة، وذلك الاندفاع المحموم في شراء آلات الحفر والمضخات والأنابيب وغيرها من المعدات والمستلزمات، وفي شراء أراض زراعية لأغراض زراعة القات وفي ترسيخ دعائم منظومة مصالح متكاملة تتمحور حول زراعة القات.

مخاطر التوسع في زراعة القات
يقدر حجم المخزون المائي في اليمن بحوالى عشرة تريليونات وثلاثمائة مليار متر مكعب؛ عشرة تريليونات منها موجودة في خزان حضرموت/ رملة السبعتين العملاق (المسمى تكوين المكلا الممتد طبقات من الحجر الرملي والجيري ذات المسامية العالية والخازنة للمياه)، والبقية موزعة في الأحواض المائية الأخرى وتكويناتها الجيولوجية المختلفة.
تتضافر مجموعة من العوامل الطبيعية، ابتداء من نشوء أزمة المياه في اليمن، أهمها: تدني الهطول المطري (تزداد هذه الخاصية سوءاً بفعل تغير المناخ، والتبخر، وعامل الطبوغرافيا: انحدار الأرض الجبلية الذي يسبب سرعة الجريان المائي).
- يقدر معدل الهطول المطري ما بين 50 - 700 ملم سنوياً (البلد يصنف ضمن بلدان إقليم المناطق الجافة وشبه الجافة). ينتج عن ذلك عدم وجود بحيرات ومياه سطحية دائمة الجريان (أنهار وأودية دائمة الجريان).
- الطبوغرافيا (تضاريس المناطق الجبلية) خسارة معظم الهطول المطري على المرتفعات، فالانحدار الشديد للأرض يسبب سرعة الجريان المائي السطحي نحو البحر وعدم الاستفادة منه.
- نمط الهطول المطري: عدم انتظامه وموسميته وطبيعة الهطول (زخات شديدة في فترة زمنية قصيرة).
تأتي بعد ذلك العوامل الاجتماعية المتمثلة في الانفجار السكاني، وسوء إدارة المياه، وطبيعة البناء الاجتماعي، وأنماط النشاط الاقتصادي، وطبيعة استخدام المياه، والتوسع الجنوني في زراعة القات.

 أرقام صادمة
يبلغ حجم تغذية المياه الجوفية في بلدنا مليارين ونصف مليار متر مكعب سنوياً، والاحتياج المائي في العام الجاري 2026 حوالى ستة مليارات متر مكعب (رقم تقديري)، والسحب السنوي يزيد كثيراً عن أربعة مليارات متر مكعب؛ أي أن هناك عجزاً مائياً كبيراً بين السحب والتغذية، ويتم تغطيته من المخزون المائي الجوفي الذي تشكل عبر ملايين السنين.
متوسط هبوط مناسيب المياه الجوفية في الأحواض المائية يتراوح بين ثلاثة إلى ستة أمتار سنوياً.
القات نبات مستهلك للمياه، إذ يستهلك ما يقارب مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وهو مرن من حيث أنه ينمو في ظروف مناخية وبيئية واسعة على ارتفاع فوق 1000 متر عن سطح البحر، ولديه قدرة على التكيف مع أنواع مختلفة من التربة، كما أنه مقاوم للآفات والإمراض.
يستهلك القات ما يتراوح بين ستة إلى ثمانية ألف متر مكعب مياه سنوياً للهكتار الواحد، وما يقارب الـ60% من حجم الاستهلاك المائي الزراعي السنوي (تشكل 90% من السحب السنوي للمياه من خزانات المياه الجوفية)، ويبلغ حجم المساحة المزروعة بالقات حالياً ما يقارب مائتي ألف هكتار تقريباً.
ويقدر عدد آبار المياه حالياً في عموم البلاد ما يقارب 150 ألف بئر، بأنواعها يدوية وأنبوبية، وعدد الآت الحفر ألف حفار تقريباً، وهذه أرقام مخيفة بالنظر إلى واقع شحة المياه في بلدنا، وتعني استخراج كميات كبيرة من المياه وفي ظروف سلبية، حيث:
- قلة التغذية المائية الجوفية بسبب تدني الهطول المطري جراء التغير المناخي، إذ تقدر كمية التراجع في هطول الأمطار في العقود القليلة الماضية نسبة 20%، وكل هذا بالترافق مع حقيقة مناخية أخرى يتميز بها مناخنا، وهي ارتفاع نسبة التبخر التي تقارب 90% من الهطول المطري (بسبب كون البلد واقعاً في نطاق إقليم المناطق الجافة وشبه الجافة).
- الضخ الجائر من آبار المياه، وتدني كفاءة استخدام المياه للري التي تصل في الغالب إلى 40% بسبب طرق الري البدائية المستخدمة وأهمها الري بالغمر، وغياب شبه كامل لاستخدام طرق الري الحديث كالري بالتنقيط والري بالرش، وهي الطرق التي ترفع كفاءة استخدام المياه إلى أكثر من 80%.
- غياب حلول الاستخدامات المائية البديلة، (مثل تحلية مياه البحر، معالجة الصرف الصحي)، بالإضافة إلى التوسع في أنظمة حصاد مياه الأمطار (السدود والحواجز والبرك والكرفانات والتغذية الصناعية للآبار الجوفية وتقنية استمطار الغيوم) وغيرها.
- سوء إدارة المياه والإخفاق المؤسسي والمجتمعي في تطبيق نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية على مدى العقود الثلاثة الماضية، وهي فترة تميزت بترسيم هذا النهج العلمي الإداري ليكون بمثابة الفلسفة الموجهة لإدارة المياه، وتميزت بإنشاء هيئات ومؤسسات حكومية مائية أنيط بها لعب أدوار وظيفية رئيسة في إدارة المياه وفق هذا النهج العلمي الإداري الجديد والرشيد، وعلى رأسها الهيئة العامة للموارد المائية (وهي الهيئة الحاكمة، أي بمثابة سلطة المياه)؛ لكن للأسف لم نحصد سوى الإخفاق والفشل الذريع في تحقيق أغلب الأهداف الاستراتيجية والمؤسسية. وتمثلت جوانب الإخفاق فيما يلي:
- اختلال في تنظيم استخدام المياه وتحقيق توازن العرض والطلب.
- ضعف تفعيل الأدوات الاقتصادية لضبط سوق المياه.
- ضعف الرقابة على الحفر العشوائي (إذ تزايدت أنشطة الحفر العشوائي بشكل جنوني في العقد الأخير، بسبب الحرب العدوانية على البلد، وما نتج عنها من انفلات الأوضاع إدارياً واجتماعياً واقتصادياً، إذ تم حفر عشرات آلاف الآبار اليدوية في جميع الأحواض المائية الرئيسة والفرعية في عموم البلاد).
- توقف أنشطة التوعية المائية في بعض الأحواض والمناطق المائية، وهو ما يعيق طموحات رفع مستوى الوعي المائي لدى المزارعين والمستهلكين في المدن.
- توقف شبه كامل لأعمال الدراسات والمسوحات المائية في معظم المجالات المائية.
- توقف التخطيط المائي على المستوى الوطني والحوضي لكثير من الأحواض.
- تقادم البيانات والمعلومات المائية الهيدرولوجية والجوفية لأغلب الأحواض والمناطق المائية.
- تجريف شبه كامل للكوادر المائية فائقة التخصص، بسبب التقاعد والوفاة وتغيير العمل وأسباب أخرى.
وهكذا حدثت المفارقة العجيبة؛ ففي ظل نهج الإدارة المتكاملة ونشوء المؤسسات والهيئات المسؤولة عن تنفيذ هذا النهج، حدثت أسوأ الأوضاع الزراعية والمائية في التاريخ اليمني:
أولها: استمرار، بل وتعاظم استنزاف المياه الجوفية في العديد من الأحواض المائية، وبعض هذه الأحواض تعرض لانهيار شبه تام (صنعاء وعمران ورداع وتعز وصعدة)، وهبوط مناسيب المياه الجوفية فيها بمعدلات تتراوح بين أربعة إلى سبعة أمتار، وكذلك في معظم الأحواض المائية في البلد، وعددها 18 حوضاً.
ثانيها: التوسع الجنوني في زراعة القات، وسيادة نمط محصولي لا يخدم الأمن الغذائي، وزحف النبات الشيطاني (القات) على مساحات كبيرة من الأرض في المنحدرات وضفاف الأودية والسهول والقيعان، وعلى حساب التوسع في المحاصيل الزراعية الأخرى، وفي ظل سيادة أنماط استهلاكية جنونية للمياه في الريف والمدينة على حد سواء للأغراض المختلفة.

صفحة سوداء من التاريخ
مع مطلع التسعينيات ووقوع البلد في قبضة الاستعمار الجديد وأدواته (صندوق النقد الدولي) تراجع الاهتمام بالزراعة وجرى الإهمال المتعمد لهذا المجال الهام والحيوي من اقتصاد البلاد (سواء عن جهل أو تأثير ثقافي سيئ أو بسبب من نوايا سياسية متعمدة لدى البعض من النافذين الخونة لتدمير ركيزة هامة من ركائز الاستقلال والسيادة والأمن لبلدنا والمتمثل بالأمن الغذائي!!).

ما هو مفهوم الأمن الغذائي وما هي أهميته؟!
الأمن الغذائي هو الوصول إلى حالة الاكتفاء الذاتي من إنتاج الغذاء، وضمان استمرارية توفيره بالكفاية والجودة لجميع المواطنين، وضمان توفر القدرة المادية والاقتصادية للحصول عليه، وهو يعد أهم ركيزة من ركائز أمننا المجتمعي، ولا يكتمل استقلال بلدنا إلا بتحقيقه، وعلى هذا نضع هذه المسألة في صلب الحديث عن الهدف الأول وهو الاستقلال الوطني، في وقت أصبح فيه الاستعمار يتفنن في استخدم الغذاء والحصار الغذائي كسلاح للابتزاز والتركيع والنيل من سيادة واستقلال وكرامة البلدان المستضعفة.
وتاريخيا، نجحت الكثير من البلدان ذات النهج الاشتراكي في الوصول لحالة الأمن الغذائي، وأهمها عالميا روسيا، وفي منطقتنا سوريا الأسد، وإيران مؤخراً، والسعودية (لفترة زمنية محدودة). أما بقية البلدان فقد تفاوت أداءها بين الاقتراب والمحاولات المتعثرة والفجوات الكبيرة والصغيرة، بسبب فشل السياسات وخطأ الاستراتيجيات، حتى دفعت ثمن تقصيرها وتهاونها في فترات الأزمات والحروب العدوانية الإمبريالية.
وفي بلدنا المنكوب بالتبعية والنفوذ والتدخلات الاستعمارية طيلة العقود الماضية ومؤخرا بالحصار والعدوان، كثيرا ما تم استخدام فجوة الأمن الغذائي والعجز الغذائي للعبث باستقلالنا وسيادتنا وقرارنا الوطني المستقل.
وجرى استغلال وجود ظاهرة سيئة معادية للأمن الغذائي وهي ظاهرة انتشار زراعة القات في اتجاه يعزز من مسار العبث والتحكم والهيمنة، وهذه حقيقة لا جدال فيها، فالقات هو الخطر الأكبر والمعوق الأول للتنمية الزراعية ولاستراتيجية الأمن الغذائي، ولأن التوسع في زراعة القات، يأتي على حساب التوسع في زراعة المحاصيل الغذائية كالحبوب والخضروات وعلى حساب الطموحات الوطنية المعلنة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، فهو يقضم كثيرا من مساحات أرضنا الزراعية في الأودية والسهول ومنحدرات الجبال، ويتسبب في إخراجها من الخدمة الزراعية.
هذا التوسع الجنوني الذي شهدته البلاد طيلة الأربعة العقود السابقة والذي يعكس حقيقة فشل الحكومات المتتابعة وغير المسؤولة والجهات الحكومية ذات العلاقة التابعة لها، هو سبب الانحسار الكبير في الإنتاج الزراعي الغذائي وفي استنزاف المخزون المائي لعدد من الأحواض المائية، وهو ما خلق لدينا أزمة في الماء وأزمة في الغذاء.
فرأينا بدلا من التوسع وإعادة إحياء هذا القطاع الحيوي الأساسي، ميلا نحو المزيد من التهميش والتدمير للإنتاج الزراعي والاقتصاد الزراعي، وخروجا عن خطنا وامتيازنا الأساس في الاقتصاد، ودفعا للبلد نحو التحول إلى اقتصاد من نمط الاقتصاد الريعي واقتصاد الخدمات والتجارة والصناعات التحويلية الخفيفة ساعد على ذلك اكتشاف وإنتاج النفط والغاز، والذي كان وبالا على البلد من ناحية الاعتماد النقدي أكثر على شراء الغذاء، فبرزت هذه الاختيارات السياسية الخاطئة والمضرة بمصالح شعبنا الحيوية والاستراتيجية جاعلة منه أكثر انكشافا وضعفا وهشاشة أمام الابتزاز والضغوط الخارجية الاستعمارية، وأقرب إلى السقوط في القبضة الاستعمارية، وهو ما حدث فعلا للمرة الثانية خلال قرن من الزمن.

المسار الجديد
منذ مطلع العام 2019 تنبهت السلطة الوطنية في صنعاء لمخاطر الاستمرار في هذا النهج الكارثي الذي أفقد البلد أمنه الغذائي وأمنه الوطني، فراحت تنتقد وتهاجم وتوضح الكثير من مسلكيات العهد السابق، ثم شرعت تصوغ نهجا زراعيا وطنيا جديدا طموحا، ووضعت خططا جديدة طموحة لاستزراع مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة بالحبوب.
ونفذت إجراءات صارمة لتقليل الاعتماد على الخارج في استيراد بعض الخضار والفاكهة، وتبنت سياسة تشجيع الزراعة المحلية وإحلال الواردات، وأُنشئت مؤسسات جديدة في هذا السياق تعنى بتحقيق هذه السياسات والإشراف التنفيذي عليها، أهمها مؤسستا «تنمية الحبوب» و«بنيان».
كما جرى الاهتمام أيضا بإنشاء المئات من المنشآت المائية لحصاد مياه الأمطار للانتفاع بها في تنمية الإنتاج الزراعي، ونفذت حملات شعبية واسعة لتأطير وتنظيم المزارعين في منظمات زراعية جديدة تدعم هذا النهج الجديد وتقوم بتعبئة الطاقات والموارد لتحقيق التقدم في مجال التنمية الزراعية، فكانت هذه الخطوات الناجحة الجيدة مبعث الأمل في تغيير الواقع المرير، وشعر الكثير من أبناء الشعب اليمني، خصوصا الفلاحين في الريف بارتياح شديد وامتنان، وقوبلت هذه الحركة الزراعية الخضراء ذات المنحى الثوري بالالتفاف والتأييد من مئات الآلاف من المزارعين والتجار والمثقفين.
لكن بطبيعة الحال وكما تعودنا تاريخيا يدخل كل نهج وطني ثوري ناشئ في صراع مع موروث الواقع الثقيل، حيث الاستمرارية الفعلية لبعض اتجاهات المسار الخاطئ السابق وبقاء الظواهر الاجتماعية السيئة والممارسات والاتجاهات الاقتصادية الزراعية الخاطئة وعلى رأسها استمرار التوسع في زراعة القات، وهذا ما يجعلنا هنا أمام مفارقة عجيبة؛ حيث يعتمل مساران متناقضان يضفيان طابع الغرابة والعبث في حياة المجتمع اليمني الريفي الاقتصادية:
أولهما: التوسع في زراعة القات، وهي ظاهرة اجتماعية سلبية لا تزال منتشرة في الحياة الاجتماعية الاقتصادية، وتتسيد للأسف الشديد المشهد الاقتصادي في الريف اليمني!!
وثانيهما: توسع زراعة الأرض بالحبوب والخضار من أجل توفير الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي في العديد من أقاليم الجغرافيا الزراعية (وأبرزها الجوف وتهامة)، حيث تم استزراع آلاف الهكتارات من الأرض بأنواعها الحبوب والخضار والفواكه، وهو المسار التصحيحي الذي يأتي ضمن إطار الحركة الزراعية الخضراء، والتي نشأت منذ سنوات، والرامية لإحداث تغيير جذري في مشهد الزراعة اليمنية يهدف إلى: حماية الأرض، وتوفير المياه، وتحقيق أمن الغذاء، وتحقيق الاستدامة، وتحسين معيشة المزارعين، والنهضة باقتصاد البلد تنمويا بما هو في الأساس اقتصاد زراعي.
إن ما نرمي إليه هنا في هذه المقالة ونقصده هو توجيه نداء لكل وطني غيور وشريف للانضمام إلى كل توجه وطني يهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي، وتحقيق نهضتنا الزراعية، والوقوف أمام الظواهر المجتمعية السيئة التي من شأنها أن تعرقل هذا الطموح، والبداية الصحيحة في هذا المسار هو السعي الرسمي والشعبي لإيقاف التوسع في زراعة القات، وابتكار كل الوسائل والأساليب والأدوات التي تساعد في تحقيق ذلك.

أترك تعليقاً

التعليقات