وهم «إسرائيل الكبرى»
 

عدلي عبد القوي العبسي

عدلي عبدالقوي العبسي / لا ميديا -
مفهوم «إسرائيل الكبرى» هو مفهوم أيديولوجي سياسي صهيوني يحمل في طياته الكثير من التصورات والأبعاد الفاشية والاستعمارية الوظيفية والأطماع الجيوسياسية والهوس الديني والتفكير العصابي الاجتماعي، ويلخص فكرة إنشاء مشروع سياسي إمبراطوري استعماري صهيوني يتمثل في «دولة صهيونية كبرى» في المنطقة، طبقاً للحدود التوراتية المعروفة.
 هذه الفكرة/ الحلم الصهيوني الديني تحول بمرور الوقت إلى ثيمة فكرية ونفسية مرعبة، لإرهاب شعوب المنطقة، وتهيئة الأرضية على الصعيد الثقافي والسيكواجتماعي، لخلق نفسية مرتبكة ومذعورة من الأنشطة العدوانية العسكرية والأمنية التوسعية في المحيط الجغرافي للأرض المحتلة وعلى كل الامتداد الجغرافي لجغرافيا هذا المشروع.
وهذا المفهوم كغيره من المفاهيم الفكرية الاستعمارية الفاشية، التي تم نشرها والترويج لها من خلال المراكز الثقافية والبحثية والمنتديات الكبيرة والوسائل الإعلامية الشهيرة عالمياً وكافة صنوف الميديا، لتخدم غرض تشكيل الرأي العربي وتشويهه، وإعادة هندسة هذا الوعي، لغرض تحطيم نفسية وذهنية المقاومة لدى شعوبنا، ومن أجل كي وعيها الجمعي.
للأسف، تمكن العدو الصهيوني، عبر ماكينة الإعلام وأجهزة الهيمنة الثقافية التابعة له وعبر الشبكة المردوخية العالمية الخادمة له، من أن يجعل الكثير من الناس في المنطقة يتناولون مثل هذه الأفكار والمصطلحات -بما تشير إليه من مشاريع خيالية- كأمر قابل للنجاح، بل وكمسار حتمي مرتقب! وليردد فئة منهم هذه الأسطوانة المشروخة بشكل مستمر وشبه يومي، ويساهمون -من دون قصد- في الترويج لهذه الخرافة السياسية القاتلة!
فالعدو -إذن- صنع الدعاية لهذه الأفكار بالطريقة التهويلية الترهيبية، وقام ببثها ونشرها كجزء من الحرب النفسية التي تهدف إلى تحطيم النفوس والمعنويات وقصف عقول أبناء شعوب المنطقة، والتي أصبحت بمرور الوقت أفكاراً راسخة في الخيال الجمعي!
لكن ما يثير دهشة الكثير من الباحثين هو: كيف أن الكثير من الساسة والمثقفين، عرباً ومسلمين، ساهموا كثيراً في الترويج لفكرة المشروع وخطة التوسع وخرافة «إسرائيل الكبرى»، وبدلاً من أن يركزوا في تناولاتهم على الخطة القومية الصهيونية الأصلية: «وطن قومي لليهود في فلسطين»، نراهم يروجون -من غير قصد- للوهم/ الحلم الديني التوراتي في إقامة ما يُسمى «إسرائيل الكبرى»؟!
من المهم أن نعرف أن القلة فقط من مهووسي الصهيونية من الجيل الأول كانوا ينظرون إلى واقع نزولهم على شواطئ فلسطين ونجاحهم في إقامة أولى المستعمرات على أرض فلسطين الحبيبة بمثابة حلم أمريكي آخر؛ بمعنى أن هذا الكيان الجديد سيتمدد ويتسع لاحقاً في كل أرجاء التراب العربي، تماماً كما حدث في حكاية الحلم الأمريكي تاريخياً مع حركة استعمار الفارين الأوروبيين والمغامرين المتدينين البيوريتان إلى الشواطئ الأمريكية، وتشكيل المستعمرات في الساحل الشرقي، ثم تمددهم لاحقاً في كامل التراب الأمريكي وتشكيلهم دولة الاتحاد الأمريكي الكبير.

النشاط التخريبي المهول للكيان ساهم في تصديق الوهم
لا شك في أن ما ساعد على تسهيل غرس الخوف والتصديق واليأس في إطار ما قدم على أنه حتمية وتقدم لهذا المشروع، ووجود إمكانات لتحقيقه لا جدال حولها ومسار متقدم مستمر فعلاً؛ ما ساعد على تثبيت هذه العقدة في النفوس هو وجود توجهات صهيونية سياسية فعلية وتحركات عملية حدثت تاريخياً، وتجسدت عبر حزمة من المؤامرات السرية والعلنية للحركة الصهيونية تجاه الدول والمجتمعات العربية المجاورة، منذ بدايات تأسيس «دويلة إسرائيل»، ثم ما أظهره هذا الكيان الاستعماري المصطنع بعد ذلك من عدوانية فاشية شديدة، وهجومه العسكري والاستخباراتي على تلك الدول في سلسلة حروب متلاحقة، وتآمره السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي والفكري على شعوب المنطقة، التي قاومت بعنف وضراوة هذا الغزو الاستعماري الجديد في فترات متعاقبة، وما نتج أيضاً عن كل ذلك جراء البروباجندا الواسعة حول الهيمنة الصهيونية وجبروتها الكلي من ردود الأفعال الشعبية والرسمية العربية والإسلامية المتوجسة من هذا الخطر السرطاني الاستعماري. كل هذا ساعد على تصديق الصورة المضللة المصطنعة والمبالغ فيها عن مسار تغلغل نفوذه المزعوم والمحتوم، وزحفه التدريجي وانتشاره في واقع مجتمعاتنا، وتأثيره الملموس داخل المشهد العربي السياسي والإعلامي والاقتصادي والأمني طوال العقود التالية.
والسؤال هنا هو: ما الذي فات هؤلاء ونسوه أو تناسوه بشأن حقيقة وجود خطر تقدم هذا الكيان/ المشروع إلى مستوى ذلك الكيان التوسعي الأكبر جغرافياً، الذي يضم أجزاء كبيرة من دول الطوق؟!
صحيح أن من الغباء التقليل من خطورة المشروع الصهيوني، والاستخفاف به، وعدم إدراك درجة الخطر العالية، وكثافة التآمر الراهن، واشتداد الهجمة الراهنة على المنطقة، التي يقودها قادة هذا المشروع الاستعماري الفاشي؛ ولكن أيضاً من قمة الغباء تصديق فكرة سياسية بهذه الدرجة من الخطورة على الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وخدمتها إعلامياً -من دون قصد- بترديدها ونشرها وترويجها!
والأمر المؤسف هو أن هناك من أبناء جلدتنا من يكاد يصدق إمكانية نجاح أو تحقيق هذا المشروع!
نقول إن هؤلاء نسوا أو تناسوا -أو ربما فعلاً لم يدركوا- أن الكيان الصهيوني نشأ تاريخياً في لحظة ذروية من الهيمنة الإمبراطورية الاستعمارية الإنجليزية - الأمريكية، وشهد فيما بعد سلسلة من العقبات والصدمات التي حجّمت مشروعه التوسعي، سواء في فترة المد الثوري أو في الفترة الراهنة في زمن تراجع وانحسار النفوذ الغربي الاستعماري الأنجلوأمريكي.
إذن الجواب على السؤال: ما الذي يجعل الكثير من عرب اليوم لا يزالون يتعاملون مع فكرة طوباوية كـ»إسرائيل الكبرى» بنوع من التصديق الساذج والخوف والرهبة والتشاؤم والاحباط؟! الجواب هنا، أو بعض الجواب المطلوب، يتعلق بتوارث صور نمطية وانطباعات وثيمات فكرية راسخة من فترة الحكم الاستعماري البريطاني الفرنسي، حينما شهد العرب، في النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، هجوماً وزحفاً استعمارياً على تلك المجتمعات والبلدان الضعيفة المتأخرة جداً، والتي كانت تعيش أوضاع القرون الوسطى (خضعت طيلة قرون للاحتلال العثماني، الذي أهمل كثيراً تنمية وتقدم هذه المجتمعات، وأدخلها فيما سُمي بعصور الانحطاط)، وكانت لتوها مع الهجمة الاستعمارية تتلمس طريقاً للولوج إلى العصر الحديث. كان الضعف شاملاً لكل جوانب الحياة تقريباً، فلا مؤسسات منظمة، ولا جيوش، ولا مقومات اقتصادية، والأمية تضرب المجتمعات، والبنى الاجتماعية كانت شديدة التخلف، والمواطن يرزح تحت ضغوط البطالة والفقر والجهل والمرض، ولا وجود فعلي لأي نفوذ سلطوي دولتي أو مجتمعي مدني حديث على أفراد المجتمع. والأمر هنا ينطبق بوضوح على تلك المشيخات والدويلات العربية التي أسسها الاستعمار البريطاني، ودعمها فيما بعد بلا حدود وريثه الأمريكي.

 لقد عاشت تلك الأجيال العربية السابقة واقع الانسحاق والتقزم والسقوط الشامل في قبضة إمبراطورية الشر البريطانية، ورأوا كيف أن تلك الإمبراطورية الشيطانية قبل أن تغادر مسرح الهيمنة في شرقها الأوسط القديم راحت تثبت وتغرس ذلك الكيان الوظيفي في قلب وطننا العربي الكبير، لكي تضمن استمرارية مصالحها ونفوذها غير المشروع، ولكي تجعل من وجود الكيان قنطرة لتدفق تلك المنافع والمصالح الإمبريالية وأداة للردع ولضرب كل من تسول له نفسه تحدي ومواجهة أطماعها ونفوذها والسعي للقضاء على مصالحها غير المشروعة.
باختصار: رأى المواطنون العرب المتشائمون السذج، وبشكل أكثر وضوحاً «العربان» أو «الأعراب»، في ما يُسمى «إسرائيل» أشبه ما تكون ببريطانيا الصغرى وأمريكا الصغرى، وأنها الشكل الجديد المتقدم تكنولوجياً ومؤسسياً لنفوذهما وتوسعهما وهيمنتهما في المنطقة.
واختلط الأمر هنا والتبس على الكثيرين منهم، خاصة عامة الناس والبسطاء والسذج من المتعلمين؛ ما هو واقعي ممكن بما هو أسطوري سياسي، وما هو جزء أساس من صميم المشروع الصهيوني الإمبريالي بما هو محض أسطرة سياسية وادعاء إعلامي ونفسي استخباراتي وتهريج أيديولوجي لتيار أو أجنحة فاشية يمينية متطرفة في منظومة السلطة الصهيونية الاستعمارية منذ التسعينيات وإلى الآن.
لم يمعنوا النظر في مدى إمكانية تحقق هذا المشروع (التوسعي) وواقعيته واستمراريته وإمكانية مواجهته وإفشاله، بل كان يطيش العقل العربي البسيط، ويتوه ويرتبك ويشطح في مخاوفه ويغوص في متاهات جديدة من اليأس والحيرة والإرباك عندما يعرض عليه التفكير في مسألة الخطر الصهيوني وإمكانية توسعه ليلتهم المنطقة بكاملها. وهذا ناجم عن قلة المعرفة ونقص المعلومات، وتأثير الدعاية الصهيونية، وتسلط التفكير الانفعالي الوهمي، وعدم إدراك طبيعة المتغيرات الحاصلة في موازين القوى إقليمياً ودولياً، طيلة فترات لاحقة عرفها العالم بعد نشوء الدولة الصهيونية.
لم يلتفتوا إلى محدودية قدرة هذه الحركة في تحقيق أحلام التوسع والهيمنة والنفوذ، خاصة في أزمنة جديدة، هي أزمنة ما بعد الاستعمار (الخمسينيات - السبعينيات) وما بعد الغرب (عقدي الألفية الجديدة الثاني والثالث).
لم يدركوا أن الوقائع والأحداث التاريخية المتتالية بعد تشكل الكيان وذلك الصدام العنيف وسلسلة الحركات المقاومة المضادة المتعاقبة الظهور (الثورية والقومية وبعدها الإسلامية المقاومة)، قد حجمت وحطمت الكثير من الأوهام والأساطير الصهيونية، ووضعت حدوداً فعلية لإمكانات التوسع الجغرافي العسكري والسياسي والاقتصادي، ولإمكانات الذهاب بعيداً في سقف التوقعات الفكرية والثقافية والجيوسياسية لدى قطاع من النخب السياسية الصهيونية القومية العلمانية والدينية - طبعاً ماعدا مهووسي اليمين الفاشي الصهيوني المتطرف، على شاكلة نتنياهو وعصابته الذين هم خارج التفكير الواقعي العقلاني ويشكلون أصلاً ظاهرة مرضية اجتماعية فاشية تاريخية مؤقتة تتلاشى بزوال مؤثرات صعودها!
وعلى هذا، يأتي استغرابنا كيف يمكن أن ينخدع مثقفو العرب ويصدقوا ألاعيب سياسات الحرب النفسية والإعلامية الصهيونية المردوخية؟! كيف يمكن أن ترهبهم الحركات الاستعراضية لعصابات المحافظين الجدد أو اليمين الأمريكي المتطرف ومثيلتها داخل الكيان؟! وهي الظاهرة التاريخية التي وُلدت كانعكاس لأزمة الغرب الإمبريالي مع مطلع الثمانينيات، كانعكاس لحالة الفزع والخوف والقلق من فقدان الهيمنة على العالم والمنطقة، وفقدان إمكانية تحقيق ذلك المشروع الجنوني الاستعماري الفاشي الذي يطمحون إلى تحقيقه وتجسيده.
سنذكر تالياً أهم العوامل -من وجهة نظرنا- التي تجعل من مشروع ما يُسمى «إسرائيل الكبرى» مستحيلاً تحقيقه ونجاحه عملياً؛ ولإثبات أن كل المحاولات التاريخية التي قام بها قادة الكيان من قبل، وما زال يقوم بها اليمين الحاكم المتطرف الفاشي في الكيان الصهيوني، ما هي إلا حرث في الهواء، وانغماس في الوهم التاريخي الطوباوي، كما هو حال كل المهووسين بالخرافات الدينية والسياسية عبر التاريخ. ولكن قبل ذكر العوامل التي تعقد وتصعب إمكانية نجاح المشروع، سنسلط الضوء بإيجاز على الجذر التاريخي الفكري له، وهو الدافع الأيديولوجي الديني، والمستند الأساس هنا هو جغرافيا «الحق الإلهي» المزعوم، أي «إسرائيل الكبرى» (كما أُشير إليها في النص «التوراتي»)، وهو محور المنطلقات العقائدية والفكرية والأفكار الثقافية السياسية المركزية في فكر التيار الصهيوني وجناحه المتطرف على وجه الخصوص، منذ البواكير الأولى لنشأته السياسية. هذه الجغرافيا المزعومة للوطن القومي اليهودي بحسب هذه الأدبيات الشيطانية لا تكتفي بفلسطين التاريخية الممتدة من النهر إلى البحر فحسب، بل تشمل كل الأقاليم الجغرافية المجاورة وما يليها من كل الجهات: الضفة الشرقية للنهر المقدس (الأردن) ووادي عربة والبتراء والعقبة، ثم جنوبا إلى «ناعوم» مدينة بن سلمان الخيالية وجوارها في كل الاتجاهات إلى المحميات البيئية وإلى خيبر وأطلالها، ثم سيناء غرباً، ثم إلى القناة عبوراً إلى وادي النهر العظيم والدلتا، وأيضاً باتجاه الشمال فيما يحاذي نهر الليطاني جنوباً وشرقاً، وربما كامل بيضاء الثلج لبلان أو لبنان وباتجاه جبل الشيخ شمال شرق ومنحدرات الجولان، ثم شرقاً في امتداد سهل حوران، وبعدها شمال شرق وصولاً إلى النهر الكبير!
هذه هي جغرافيا الهوس الديني والأساطير التوراتية، وهذا هو النطاق المعلم في العلم الصهيوني بالخطين الأزرقين (النهر العظيم والنهر الكبير) كحدود تاريخية للمملكة اليهودية الدينية المنشودة في أدبيات ووثائق الحركة الفاشية الصهيونية، والمرمز لها بالنجمة السداسية الزرقاء.

خارطة الحدود الأفعوانية
المسار المرسوم والحدود الجغرافية لهذا الكيان الكبير، الذي يطمحون إلى إنشائه ونجد محاولات ترجمته على الأرض وتجسيده فعلياً وعملياً، هو مسار التحرك الثعباني الخبيث والنشاط الكثيف لدوائر صنع القرار الجيوسياسي ودوائر الاستخبارات الصهيونية ونشاط المنظمات الدولية الداعمة سراً وعلناً!
والحقيقة أن ما نلاحظه ونرصده منذ زمن بعيد هو أن هذا النشاط الأمني يتبع مساراً مرسوماً لحدود الأرض الموعودة في شكلها وامتدادها كجسم يشبه أفعى الكوبرا، وكما توضحه الكثير من الرسومات الكاريكاتورية على شكل خرائط ساخرة لدى ناقدي وخصوم الحركة الصهيونية، وهي الرسومات الذكية اللماحة التي تكشف وتفضح -بشكل كاريكاتوري ساخر- جغرافيا الهوس «التوراتي» الديني لدى أصوليي وفاشيي الحركة الصهيونية بشقيها اليهودي والصهيومسيحي، وهناك فرق كبير بين نشاط صهيوني مهووس ومدمر ومتعدد الجوانب يصل امتداده فعلاً إلى أرجاء هذه المنطقة، وبين إمكانية احتلال هذه الأرض كلها وإقامة دولة صهيونية كبيرة عليها.
إذن «إسرائيل الكوبرا» هو التعبير الأجدر بدلاً من «إسرائيل الكبرى»، من باب السخرية من هذه الفكرة المجنونة الطوباوية.

مشروع استعماري غير قابل للتحقق
كل الدراسات والتحليلات تؤكد أن هذا النشاط وما يمارسه هذا النظام الفاشي اللعين، وما تطمح إليه هذه الحركة السياسية الفكرية الإمبريالية والفاشية غير قابل للنجاح والبقاء والاستدامة، لماذا؟! لأنه مبني على أسس ضعيفة وأوهام عقدية وجيوسياسية واضحة وأطماع غير شرعية فاضحة، وهم تلك التحركات الثعبانية المرصودة والمكشوفة تحدث عبر (الحملات العسكرية والأمنية) الالتوائية على دول الجوار الممانع وذلك النشاط الأمني العسكري السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي الموجه في تلك الأقاليم الجغرافية المجاورة والملاصقة للأراضي المحتلة لأغراض الهيمنة والنفوذ التدريجي في تلك المجتمعات الهشة والمتأزمة.
هذه هي السياسة المهووسة التي يطبقونها على الأرض، لا تكذبها الأحداث والوقائع، وهي واضحة وضوح الشمس، وهو التآمر الحقيقي المكشوف والمعلن وهو ما يعترف به ويردده علانية بكل وقاحة وصلف وغطرسة أباطرة الحركة الصهيونية، قادتها وداعموها، مفكروها ومثقفوها، خاصة في الجناح الصهيوني اليميني بكل تنويعاته الفكرية والسياسية والاجتماعية.
لقد انكشفت لنا بعض من هذه الأطماع والتحركات الكولونيالية الخبيثة بشكل أكثر وضوحا إبان حرب السابع من أكتوبر وما بعدها؛ وهي الحرب المستمرة إلى الآن مع هذه العصابة الغاشمة، والتي دخلت في الأشهر القليلة الماضية، طورا حاسما ومفصليا في هزيمة كيانها المحتل بالاشتباك العسكري الإقليمي متعدد الجبهات حتى وصلت إلى الاشتباك المباشر مع العمق الاستراتيجي ورأس محور المقاومة (الجمهورية الإسلامية الايرانية).
لكن ما هي -من وجهة نظرنا- تلك العوامل التي نرى أنها ستعيق حتما، نجاح مثل هذا المشروع الجنوني الاستعماري الفاشي المدمر..؟ سنوجزها هنا فيما يلي:

عوامل سياسية
المجتمع الصهيوني داخل الكيان يعيش في سلسلة لا تنتهي من أزمات حادة، تكاد تعصف بكيانه الكولونيالي الهش المصطنع في منطقتنا العربية، وهي أزمات تمتد آثارها إلى مختلف مستويات ومكونات بنية المجتمع، وتطغى على كافة جوانب الحياة الاجتماعية فيه.. ومن مظاهر هذه الأزمة السياسية:
أولاً: انقسام سياسي حاد: هناك انقسام سياسي حاد بين معسكرين سياسيين ديني محافظ متطرف وعلماني قومي لهما برنامجان سياسيان متناقضان ومصالح سياسية متضاربة ورؤى مختلفة لطبيعة الدولة الصهيونية، والسياسات والاستراتيجيات الواجب اتباعها. وقد خاض هذان المعسكران سلسلة من المعارك السياسية الحادة في ملفات وقضايا حيوية عدة مثل هوية الدولة (دينية أم علمانية)، والمؤسسات، وسلطة القضاء، ودور «الحريديم» ومشاركتهم في الحياة العامة وخدمة الجيش، وغيرها من القضايا الساخنة، حركا معها غضب الشارع؛ كما رأينا في ازدياد الاحتجاجات الشعبية والإضرابات العامة لتعم كافة أرجاء الكيان وأيضا امتدادها إلى الأوساط الأكاديمية والمثقفة، وتأججت بسببها الانقسامات وتعمقت الكراهية وانعدام الثقة، وقد عكس هذا الانقسام نفسه في ضعف الكتل السياسية برلمانيا وصعوبة الحصول على الأغلبية المريحة، أو ضمان استقرار واستمرار التحالفات في السلطة بقيادة الأحزاب الكبيرة من دون تقديم تنازلات كبيرة للأحزاب الصغيرة المتطرفة أو المتزمتة.
ثانياً: تفاقم أزمة الأحزاب التقليدية وتصدعها وتدني شعبيتها، وتفتت التيارات السياسية الكبرى إلى تنظيمات وكتل وأحزاب عدة متوسطة وصغيرة.
ثالثاً: فقدان ثقة الشباب والجيل الجديد (في زمن العولمة والثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الصناعي) بالنخب السياسية والعزوف عن السياسة، بل وأصبح المشروع الصهيوني ذاته والسردية التقليدية المصاحبة له، موضع تساؤل ومراجعة، بعد أن شاهدوا حقيقة المكانة والمشروع والعزلة التي مني بها الكيان الصهيوني عالميا.
رابعاً: الفشل في تحسين صورة الكيان عالميا وتثبيت مظلوميته وإخراجه من عزلته والفشل في تبرير الإبادة الجماعية وتجنب الإدانة الدولية، والفشل في وأد وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، وعودة الروح لفكرة حل الدولتين واكتسابها زخما عالميا وتحالفا دوليا كبيرا، والفشل في تحقيق تماسك الجبهة الداخلية سياسيا ومجتمعيا وأمنيا وخداع الداخل المجتمعي الصهيوني.
عوامل تاريخية بنيوية
كيان استعماري آيل إلى الزوال: بني الكيان الصهيوني وأسس على لا شرعية الاحتلال والاستيطان وانتزاع أراضي السكان الأصليين وارتكاب المجازر الجماعية والتطهير العرقي بحقهم وتشريد مئات الآلاف من السكان وطردهم إلى دول الجوار والمنافي، في واحدة من أبشع مآسي العصر الحديث.
والكيان الصهيوني هو الكيان الاستعماري الصريح الوحيد الباقي إلى الآن، في وقت انتهت وتفككت منذ عقود من الزمن كل الكيانات الاستعمارية في دول الجنوب العالمي.

عوامل إنسانية وأخلاقية
تجرد المستعمرون الصهاينة من كل القيم الأخلاقية والإنسانية، ومارسوا أبشع صنوف الجرائم والانتهاكات الإنسانية التي لا يقبلها العقل والضمير الإنساني ولا القيم الدينية والأعراف والقوانين والتشريعات ومواثيق حقوق الإنسان الدولية.
ولم يقم الصهاينة طوال تاريخ وجودهم الأسود، حتى بتنفيذ أبسط المتطلبات الأخلاقية والقانونية والإنسانية بحق السكان العرب الذين هم تحت السيطرة والحكم الاستعماري المفروض بالأمر الواقع.
ومن أهم هذه الانتهاكات: الاعتقال التعسفي دون محاكمة، تعذيب الأسرى وإطالة سجنهم، هدم المنازل، اقتحام المخيمات وتدميرها ومحاصرتها، قتل الأطفال والنساء وترويع الآمنيين، تجريف الأراضي والأشجار المثمرة ومصادرتها، سرقة المياه والحرمان من استخدامها، الحرمان من البناء، التجسس اليومي، قمع المظاهرات والتجمعات، الحرمان من الحقوق السياسية، تدنيس المقدسات، و.. و.. و.. الكثير من تلك الأعمال الإجرامية المشينة التي تجعل من دعم هذا الكيان المجرم وصمة على جبين الحضارة الغربية المعاصرة.

عوامل ثقافية
أولاً: القوة الثقافية لشعوب المنطقة وعمقها الحضاري التاريخي الممتد لآلاف السنين وهي التي جعلت من هذه البقعة في العالم منارة الإشعاع الحضاري وصنعت فيها حضارات عالمية واسعة في العصور القديمة والوسطى، كان لها تأثير كبير لاحقا في النهوض الحضاري والثقافي للغرب، لهذا لا يمكن اقتلاع هذه الشعوب من بيئتها الحضارية أو تدميرها، فهي ليست شعوبا قبلية بدائية ضعيفة كما هو حال الهنود الحمر في أمريكا، بل هي شعوب قوية كانت لها سطوتها ونفوذها الحضاري والسياسي والعسكري على أجزاء واسعة من العالم وأوروبا حتى العهد القريب منتصف القرن التاسع عشر.

ثانياً: القوة الأيديولوجية والعقدية، فهذه الشعوب تنتمي إلى تراث فكري وعقائدي ديني وقومي زاخر بكل مفاهيم ومعاني وقيم الحضارة والإنسانية والرسالة العالمية، وقدمت إضافات ثقافية وفنية وعلمية هائلة في مسار التطور الحضاري البشري، وتحوي خلاصة جوامع الحكمة الإنسانية. كما أنها كانت نقطة التقاء مسارب التيارات الفكرية الدينية والفلسفية والفنية الكبرى، ويستحيل طمس هويتها الثقافية الأيديولوجية الفكرية والأدبية والفنية.
ثالثاً: هشاشة وضعف الثقافة الاستعمارية الفاشية الصهيونية لمجتمع الغاصبين المستعمرين الغرباء، وهو الضعف والتآكل والهشاشة التي تزداد عاماً بعد عام، فلا شرعية ولا منطقية ولا عقلانية ولا إنسانية ولا تأثير ثقافي يذكر لهذه العصابات اللقيطة المجمعة من شتى أصقاع النفي والجيتوهات، وهو ما ينعكس في عدم قبول الشعوب المجاورة لهم، وعدم رغبة سكان الأرض الأصليين (العرب الفلسطينيين) في التعايش معهم بهذه الثقافة الإجرامية السوداء، وهذا الانحطاط القيمي والأخلاقي والغطرسة العنصرية والتعالي الأجوف.
رابعاً: انتشار الاعتقاد لدى الكثير من أبناء النخب الثقافية الدينية والسياسية بقرب زوال «دولة إسرائيل» بحسب النبوءات التلمودية، وأهمها ما يسمى «لعنة العقد الثامن».
خامساً: ضعف القناعات والاعتقاد لدى الأجيال الجديدة من المستوطنين الصهاينة من أبناء الشرائح والفئات العلمانية المتحررة بالفكر الديني وسرديات الحركة الصهيونية والتلاشي التدريجي للثقافة الفاسدة الوافدة مع الأجداد، وهي المرفوضة والمنبوذة عالمياً، وهو ما كشفه وفضحه الحراك السياسي العالمي المناهض للجرائم الصهيونية والمشروع الصهيوني، وهو الحراك الذي ازدهر نشاطه وازداد التفاف الرأي العام العالمي حوله، وإدراك الكثيرين من النخب في الغرب خاصة، صدقية ادعاءاته وصوابية وحضارية وإنسانية وثورية موقفه الشجاع.

اجتماعية وسيكولوجية
أولاً: التفاوت الاجتماعي في الدخول والتمييز الاجتماعي والعرقي ما بين اليهود «الأشكيناز» واليهود «السفارديم» و«المزراحيم» والصراع الاجتماعي بمظاهره ودوافعه المختلفة.
ثانياً: رفاهية الطبقات العليا، وعدم قبول الحرب أو الاستعداد لفقدان المصالح والتضحية، ونفسية الخوف من الحروب لدى العديد من أبناء الشرائح والفئات الاجتماعية العليا والوسطى في المجتمع الصهيوني.
ثالثاً: عدم قبول أو استعداد الجيران للإذعان، بالإضافة إلى ضعف الانتماء الاجتماعي وصعوبة الاندماج الثقافي مع المجتمعات العربية الشرقية المجاورة، والشعور بالاغتراب الاجتماعي؛ لأن غالبية أبناء مجتمع الغاصبين الصهاينة جاؤوا من بيئات أوروبية متقدمة، بعيدة تماماً عن ثقافة وأنماط حياة وتقاليد المجتمعات الشرقية المتأخرة، بمعنى أنهم مهاجرون غاصبون مستوطنون دخلاء غرباء في أرض ليست لهم، وفي بيئة حضارية وثقافة ومجتمعات مختلفة عنهم، ولا تفهمهم ولا تتقبل وجودهم وثقافتهم وقيمهم وأنماط حياتهم، بل إن الغالبية منهم هم ذوو أصول عرقية تركية وسلافية وجرمانية وبيئات اجتماعية وثقافية مختلفة كثيراً عن شعوب المنطقة السامية، ولا صلة من أي نوع تربط أسلافهم بأرض فلسطين التاريخية وقيمها وثقافتها وتقاليدها، ولا حتى هناك صلة تربطهم بقبيلة بني إسرائيل العبرانية السامية (شبه المنقرضة تاريخياً).
أما وجود الأجيال الجديدة من أبناء المتعصبين المتزمتين دينياً فلا يتركز إلا داخل المستوطنات في الضفة الغربية، وفي بعض التجمعات السكانية والمستوطنات المحيطة بيافا المحتلة أو في الجليل شمالاً، وهؤلاء قد أظهروا -نسبياً- دعمهم اللامشروط لكل سياسات اليمين الفاشي الصهيوني الحاكم، بل وشكلوا الوقود المغذي لها، والحاضنة الاجتماعية لها.
رابعاً: عزوف الشباب عن الانخراط في حروب الدولة، ورفض شباب اليهود المتدينين من «الحريديم» الانخراط في الخدمة العسكرية، وهذا يسبب عجزاً في حجم الجيش الصهيوني وحجم القوات المطلوبة للحماية في عدة جبهات حربية أو لمواجهة متطلبات التوسع في جبهات جديدة.
خامساً: اتساع ظاهرة الهجرة العكسية، ورحيل قرابة المليون يهودي خلال السنوات القليلة الماضية، وتزايد معدلات الهجرة إلى الخارج من بداية حرب السابع من أكتوبر، واستمرار ظاهرة تجريف وهروب الأدمغة ورجال الأعمال والمهنيين إلى وجهات عالمية أخرى أكثر أمناً واستقراراً وتحضراً وأكثر مزايا اقتصادية ومنافع متوقعة.
سادساً: اشتداد حالة الاحتقان الاجتماعي وتزايد الانقسام الاجتماعي السياسي والثقافي والأخلاقي بين كتل اجتماعية ثقافية عدة ذات هويات ومرجعيات مختلفة ومصالح اجتماعية وسياسية متضاربة، وتراجع منسوب التسامح والتعايش مع الأقليات بأنواعها، خصوصاً مع تصاعد شعبية اليمين الفاشي المتطرف وازدياد نفوذه في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية العامة وصعود جزء منه إلى السلطة.

عوامل جغرافية
هذه العوامل تشمل المساحة والطبوغرافيا والديموغرافيا والجيوسياسة.
- المساحة 
من المعلوم أن مساحة الأراضي التي يحتلها الكيان (فلسطين المحتلة) لا تتجاوز مساحة محافظتين يمنيتين صغيرتين، وشتان في المساحة والامتداد الجغرافي، وفي وعورة التضاريس وتنوعها وتعقيداتها بين هذه الأراضي (الصغيرة والمنكشفة والمنبسطة) وبين أجزاء واسعة من الدول الكبرى العربية والإسلامية في ما يسمى «الشرق الأوسط».
- الديموغرافيا
الغاصبون الصهاينة عددهم بضعة ملايين نسمة فقط، وليس في مقدور هؤلاء، حتى الفئات السكانية النشطة منهم في كيانهم الصغير الحجم والصليب سكانياً- مجاراة ذلك الزخم السكاني الهائل لكثير من شعوب المنطقة، والذي يرفد القوى العاملة المنتجة والمهنية والجيش والاحتياط وقوى الأمن والحشود الجماهيرية والحاضنة الشعبية الضخمة.
- الجغرافية السياسية
تأتي فلسطين التاريخية المحتلة من حيث المزايا الجيوسياسية الحساسة في مرتبة تالية قياساً إلى الأهمية الجيوسياسية التي تتمتع بها الدول الكبيرة المجاورة والأبعد: مصر وإيران وتركيا وبلاد الرافدين وسورية واليمن؛ جيوسياسياً وتجارياً وأمنياً، وذلك للخصائص الجغرافية المحددة لفلسطين الصغيرة والمنكشفة والمنبسطة والمحدودة في مواردها وإمكاناتها وديموغرافيتها.
وكذلك كونها محاطة بما يسمى «دول الطوق»، وهو ما يعني إمكانية فرض الحصار الجيوسياسي عليها بسرعة من مختلف الجهات والمداخل البرية والمائية، وليس لها من مكان أو منفذ سهل ومريح إلا البحر الأبيض المتوسط.
نقول هذا مع علمنا بأن أرض فلسطين التاريخية كان لها أهمية تجارية تاريخياً في فترات تاريخية سابقة، كملتقى قوافل وممرات برية. وامتيازها الجغرافي الأهم يأتي من كونها مدخلاً وبوابة إلى القارتين الكبيرتين، بالإضافة إلى إرثها التاريخي وطبيعتها المعطاءة ومكانتها الدينية والثقافية في نفوس أبناء الديانات الإبراهيمية الثلاث. ولكن بسبب تلك النقاط التي ذكرناها أعلاه نقول إنه سيبقى من الصعب على عصابة الصهاينة أن يجعلوا الأرض المحتلة نقطة ارتكاز جيوسياسي للتوسع في الفضاء الأوراسي الغربي الجنوبي، أو حتى الاتكال عليها فقط في بناء مملكتهم المنشودة.

العوامل العسكرية
أولاً: الثورة التكنولوجية العسكرية: حقيقة التغيرات الثورية في تكنولوجيا الأسلحة والإمكانات الهائلة للأسلحة الجديدة (الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة والمسيّرة الشبحية والتشويش الإلكتروني، وغيرها) في استهداف كل المواقع الحيوية والحساسة للعدو وعدم قدرته على صدها وتدميرها، هذا يعني أن امتلاك أغلب الجيوش في المنطقة لمثل هذه التكنولوجيا والأسلحة بأنواعها، وأيضاً فصائل محور المقاومة، يخلق واقعاً عسكرياً جديداً يصعب فيه كثيراً (إلى درجة الاستحالة) على العدو إمكان إلحاق الهزيمة بهذه الجيوش والفصائل وتحطيمها. أيضاً مع دخول بعضها وتبنيها أساليب التطوير والاندماج مع واقع نمط جديد (من حروب المدن والحروب اللامتناظرة وحروب الجيل الخامس)، كل هذه عوامل تضعف فرص نجاح العدو في تحقيق انتصاره العسكري المنشود.
ثانياً: ضعف الروح القتالية: لا يمتلك الجيل الجديد من جنود العدو روحاً قتالية ولا عقيدة عسكرية صلبة، حيث لا يشعر الغالبية منهم بالرغبة في القتال وخوض الحروب، ولا يمتلكون القناعات الفكرية والدوافع الأيديولوجية الدينية. ولا شك أن هذا العامل الروحي المعنوي النفسي له تأثيره القوي في كسب الحروب وتحقيق الانتصارات العسكرية. وقد أظهرت حرب السابع من أكتوبر، وكشفت وعرت هذا الواقع والحال الصادم للجيش الصهيوني، من خلال الكثير من المؤشرات، أهمها: تسرب الجنود من المعركة، كثرة الشكوى والتذمر والانتقادات لدى الجنود في قوات الاحتياط، مستويات الحماسة الحربية، والأداء والتركيز في القتال...
ثالثاً: فارق موازين القوى في حالة تشكل جبهة عربية عسكرية: لا شك أن التطور الدراماتيكي السريع المتوقع للأحداث في حال اتساع الصراع بشكل مباشر، ورفض الدول العربية المجاورة (دول الطوق) لمشروع التهجير والتوطين أو مشاريع التقسيم لهذه الدول، سيدفع هذه الدول إلى تبني أشكال ومستويات من الدعم والإسناد المتبادل والتشبيك والتنسيق في كل مراحل التصعيد العسكري، من الاشتباكات المحدودة إلى الحرب الشاملة. وسنجد أنفسنا هنا تاريخياً مع حالة تكرار للموقف شبيه بما حدث في حرب 1973، وإن كان لن يرقى إلى مستوى ذلك التضامن والتنسيق العسكري الحادث في تلك الحرب.
إن التعاون والتنسيق والاشتراك في الحرب المتوقعة عبر تحالف يضم ثلاث دوائر تشكل جدراناً جيوسياسية وخطوطاً دفاعية ستعيق فعلياً محاولات التقدم العسكري والتوغل الصهيوني، وإن اختلفت وتباينت مستويات الدعم والإسناد وطبيعته وحدوده لكل من هذه القوى ومكوناتها المنفردة، عسكرياً وأمنياً وسياسياً وإعلامياً واقتصادياً.
رابعاً: الهزيمة العسكرية الكبرى في هذه الحرب: هذا ما تكشفه لنا حصيلة إنجازات الحكومة المجرمة، حكومة الإبادة، التي هي حكومة فاشلة بامتياز؛ لكونها حققت:
الفشل في استعادة الأسرى بالقوة العسكرية، الفشل في خوض معارك عسكرية برية دون وقوع خسائر فادحة داخل القطاع (يكفي الاطلاع على هذا الكم الضخم من العمليات النوعية والكمائن التي كبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد)، الفشل في تحقيق السيطرة على القطاع رغم الدعم العسكري واللوجستي والاستخباري واسع النطاق الذي قدمته الدول الإمبريالية الكبرى في الغرب الكيان، الفشل في تهجير الشعب الفلسطيني من غزة، الفشل في القضاء على المقاومة ومنعها من استمرار نشاطها المقاوم سواء داخل القطاع أو في الضفة الغربية، الفشل في ضمان الأمن الصهيوني والحفاظ على منظومة الردع، الفشل في صد ضربات المقاومة التي طالت أهدافاً حيوية حساسة في أرجاء واسعة من جغرافيا فلسطين المحتلة، بل وفي عمق العدو في يافا المحتلة وما حولها، الفشل في غزو جنوب لبنان وتكبد خسائر واسعة في الأرواح والعتاد، الفشل في وقف عمليات جبهة الإسناد في اليمن وفك الحصار البحري عن موانئ كيان الاحتلال، والفشل في إعادة المغتصبين الصهاينة النازحين إلى مستوطناتهم في شمال فلسطين المحتلة.

عوامل اقتصادية
لا شك أن التوسع الجغرافي العسكري الإمبراطوري يتطلب وجود دولة كبيرة باقتصادها وحجمها ومواردها وقدراتها الذاتية. وهناك عوامل اقتصادية كثيرة تعيق إمكانية تحقيق الحلم التوراتي الصهيوني التوسعي، وأهمها:
أولاً: محدودية الموارد الطبيعية الاقتصادية للأراضي المحتلة وضآلة الموارد الطاقية.
ثانياً: واقع الاعتماد الاقتصادي على الغرب الأطلسي من خلال تقديم المساعدات السنوية بأنواعها.
ثالثاً: قلة الأيدي العاملة.
رابعاً: واقع الحصار الاقتصادي المفروض على تدفق الشركات والبضائع الصهيونية إلى معظم دول المنطقة (مع استثناءات قليلة في هذا الجانب).
خامساً: دور العسكرة والتكاليف الحربية في نزيف الاقتصاد الصهيوني والخسائر والتبعات الناجمة عن المغامرات الحربية وما يلحقها من دمار في البنية التحتية وخلافه.
وقد كشف لنا الحصار البحري والجوي الذي فرضه أبطال محور المقاومة (اليمن وإيران على وجه الخصوص) مدى هشاشة اقتصاد الكيان وضعفه البنيوي واعتماديته وعجزه عن الصمود طويلاً في حرب طويلة مع قوى المقاومة.

عوامل تكنولوجية
أولاً: التطور التكنولوجي للمقاومة ودول الطوق: رغم التقدم التكنولوجي للكيان الصهيوني، إلا أن المبالغات بخصوص الفجوة الهائلة بين الصهاينة وجيرانهم باتت منكشفة ومفضوحة أمام التفوق التكنولوجي في العديد من المجالات، والذي أظهرته الجمهورية الإسلامية الإيرانية على سبيل المثال، قد ألقى أكذوبة التفوق الصهيوني إلى مزابل التاريخ، وجعل من تفوق «جيشها الذي لا يُقهر» أكذوبة جديدة من الأكاذيب الصهيونية.
ثانياً: محدودية المواد الخام وصعوبة الحصول على المعادن النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية المتطورة.
ثالثاً: ضآلة الموارد الطاقية.
رابعاً: الاعتماد التكنولوجي على الغرب في مجالات عديدة.
كل هذه العوامل التي تطرقنا لها (سياسية وثقافية وعسكرية وجغرافية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية) تحد قدرة العصابة الصهيونية على إنجاح مشروعها الاستعماري التوسعي في المنطقة، وتجعله أشبه بضرب من الهذيان والوهم، بل وتلغي في أذهان الغالبية منهم مجرد التفكير أو طرح هذا المشروع الطوباوي المجنون.
ويكفي هنا أن نذكّر بردود الفعل التاريخية على كل هجمة صهيونية، والتي كانت دائماً أقوى. وإليكم هنا تذكيراً بها:
- الرد على نكبة 48: سقوط الأنظمة العميلة من خلال ثورات التحرر الوطني وصعود الحركة القومية العربية.
- الرد على نكسة 67: معركة الكرامة وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
- الرد على اتفاقية «كامب ديفيد»: نشوء جبهة الصمود والتصدي.
- الرد على غزو بيروت: نشوء حزب الله وجبهة جمول وحركة أمل واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، واستمرار المقاومة اللبنانية حتى تم دحر الاحتلال من الجنوب.
- الرد على «اتفاقية أوسلو»: اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وصعود المقاومة الإسلامية (حماس والجهاد).
- الرد على سقوط بغداد: نشوء محور المقاومة، واندلاع حرب تموز، وصعود المقاومة في غزة واشتباكها مع العدو في حروب غزة.
- الرد على «اتفاقية ابراهام»: معركة «سيف القدس»، وبعدها هجوم السابع من أكتوبر.
باختصار في خاتمة هذه المقالة نقول إن «إسرائيل الكبرى» هوس ديني فاشي، ووهم وتخريف سياسي، وحرب نفسية.

أترك تعليقاً

التعليقات