من التغريد إلى اللجوء: سقوط خلفان
- فؤاد أبو راس الأثنين , 18 مـايـو , 2026 الساعة 12:35:40 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
لم يكن قبول بريطانيا طلب لجوء ضاحي خلفان، نائب رئيس شرطة دبي الأسبق، مجرد محطة شخصية في حياته، بل منعطفاً يكشف تحوّل صورة رجل كان يُقدَّم لسنوات بوصفه أحد أبرز الأصوات المعبرة عن المزاج الأمني والسياسي للإمارات في المنطقة. هذا التحول تجلّى بوضوح في رسالة الوداع التي نشرها، معلناً قطيعته مع حكام الإمارات، وقائلاً إن «الرحيل بكرامة هو البقاء الحقيقي»، وأنه أصبح «مشرداً ولاجئاً» سيعيش بعيداً عن بلده الذي أُهين فيه، كما يؤكد.
في رسالته، يصف خلفان أياماً «طويلة وثقيلة» قضاها في السجن «دون أي مبرر أو تأسف عن الإهانة» التي تلقاها داخل السجن وخارجه، بسبب ما يصفه بـ»زلة لسان بكلمة» لم يعلن حتى الآن مضمونها. هذا الغموض يحوّل العبارة إلى عنوان عريض عن حدود الكلام المسموح به داخل بنية الحكم التي خدمها عقوداً، ويعكس شعور رجل كان يعتقد أنه تجاوز «سن التأديب» وأصبح من «كبار رجال الدولة وعقلائها»، قبل أن يكتشف -بحسب تعبيره- أنه في نظر من راهن عليهم «لا شيء»، وأن ما تعرّض له يشبه «رصاصة قاتلة» أنهت وجوده بينهم إلى الأبد.
غير أن هذه الصورة التي يرسمها لنفسه اليوم كضحية، تصطدم بذاكرة شعب آخر، هو الشعب اليمني، الذي عرف ضاحي خلفان من نافذة مختلفة تماماً: نافذة تغريداته على «تويتر» التي حملت قدراً كبيراً من التجاوز والسخرية والإساءة. منذ اندلاع العدوان على اليمن تحوّل حسابه إلى منبر لخطاب عدائي، مزج بين التنميط المناطقي والتحريض السياسي، وقدم اليمن بوصفه ساحة صراع يمكن تقسيمها وإعادة تشكيلها وفق هوى القوى الإقليمية.
في إحدى تغريداته الأكثر استفزازاً، شبّه من يقارن عدن بصنعاء بمن يقارن «ملكة جمال بعجوز شمطاء»، في صياغة تنسف المكان والإنسان معاً، وتحول مدينة ذات تاريخ عريق إلى مجرد استعارة سلبية. وفي تغريدة أخرى، اختزل صنعاء في «سوق خناجر وباعة قات»، مقدماً المدينة، بتاريخها السياسي والحضاري، كفضاء بدائي يُراد تجاوزه لصالح «نموذج» آخر في الجنوب. وتجاوز الأمر الإساءة المباشرة إلى المدينة وأهلها، ليصل إلى نكران رمزي للأصل العربي نفسه، حين كتب أنه «يتبرأ من الانتساب إلى العرب إن كان العرب ينتسبون إلى اليمن»، مستهدفاً بذلك المكان الذي طالما قُدم في المرويات العربية كمهد للعروبة.
بالتوازي مع هذا الخطاب، لعب خلفان دور المروّج العلني لفكرة تقسيم اليمن، معلناً ما سماه «اعترافاً شعبياً» بدولة الجنوب العربي، ورافِعاً علم اليمن الجنوبي السابق بشعارات عاطفية تحاول منح مشروع سياسي شديد الحساسية غطاء وجدانياً وشعبياً. هكذا بدا رجل الأمن السابق جزءاً من ماكينة أوسع تتعامل مع اليمن كخريطة قابلة لإعادة الرسم، أكثر مما تتعامل معه كدولة ذات سيادة وشعب له الحق في تقرير مصيره.
المفارقة اليوم أن الرجل الذي استخفّ بجراح اليمنيين وتشردهم الداخلي والخارجي، يكتب عن مرارة «التشرد» نفسه، وعن الإهانة والسجن والاضطرار إلى طلب الأمان في بلد بعيد. الفارق أن اليمني ضحية عدوان وتدخلات كانت بلاده أحد المتسببين فيها، بينما ضاحي خلفان يواجه قسوة منظومة كان هو أحد أوجهها العلنية. بين تغريدات الازدراء بالأمس ورسالة اللجوء اليوم، تتجلى حكاية سقوط نفوذ بُني على الإساءة للآخرين، وانقلاب سياط الخطاب التي كان يلوّح بها إلى قيود تحاصره هو شخصياً، في صورة درامية تختصر مآلات مشروع كامل، لا مصير رجل واحد فقط.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس