كيف تعيد مضائق العالم صياغة التوازن بين السيادة وحرية الملاحة؟!
- فؤاد أبو راس الأحد , 3 مـايـو , 2026 الساعة 12:16:54 AM
- 0 تعليقات

م. فؤاد أبو راس / لا ميديا -
منذ عقود، سعت القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى ترسيخ حضورها في الممرات المائية الحيوية، بوصفها شرايين الاقتصاد العالمي، مستندة إلى خطاب قانوني يرتكز إلى مبدأ حرية الملاحة كما كرسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أُقرت في جامايكا عام 1982. وقد نصت هذه الاتفاقية، في إطارها العام، على ضمان انسيابية الحركة البحرية في أعالي البحار والمضائق الدولية، بما يحفظ مصالح التجارة العالمية ويؤمن تدفقها دون عوائق. غير أن هذا البناء القانوني، الذي يبدو في ظاهره متماسكاً، أخذ يواجه تحديات متزايدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداخل أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية.
في هذا السياق، لم تعد مضائق مثل هرمز وباب المندب مجرد ممرات لعبور السفن، بل تحولت إلى نقاط ارتكاز استراتيجية تتقاطع فيها مفاهيم السيادة مع مقتضيات النظام الدولي. فالاتفاقية ذاتها التي أقرت مبدأ "المرور العابر" في المضائق، عادت لتؤكد في الوقت نفسه سيادة الدول الساحلية وحقها في حماية أمنها، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً بين حرية الملاحة واعتبارات السيادة الوطنية.
هذا التوازن، الذي صيغ في نصوص قانونية دقيقة، يدخل اليوم في منطقة اختبار معقدة؛ إذ لم تُصمم الاتفاقية لمعالجة حالات الضغط الاقتصادي الشامل أو ما يمكن وصفه بالحروب غير المباشرة. وعندما تتعرض دولة ما لضغوط اقتصادية أو لعقوبات واسعة النطاق، فإن تفسيرها لمفهوم "الأمن القومي" يتسع ليشمل أبعاداً تتجاوز التهديد العسكري التقليدي، وهو ما ينعكس على سلوكها في الممرات البحرية الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.
وعليه، فإن التوترات الراهنة لا يمكن قراءتها بوصفها خروجاً مباشراً عن القانون الدولي، بقدر ما هي تعبير عن صراع على تفسيره. فالنصوص التي تضمن حرية الملاحة تقابلها نصوص أخرى تتيح للدول اتخاذ تدابير لحماية أمنها. وبين هذين الحدين تتشكل مساحة واسعة من التأويل، تتحول فيها المضائق إلى أدوات ضمن معادلات الردع والتوازن. وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن حيادية الممرات البحرية أكثر تعقيداً؛ إذ يتداخل القانون مع السياسة في إنتاج واقع يصعب فصله إلى مسارات مستقلة.
هذا المشهد يتعزز أيضاً بحقيقة أن أكثر من ثمانين في المئة من التجارة العالمية يمر عبر البحر، وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات ذا أثر مباشر على الاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن حساسية هذه المضائق لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي، بل من موقعها في بنية النظام الاقتصادي الدولي، وهو ما يفسر حجم التفاعلات المرتبطة بها.
في مقابل ذلك، برزت محاولات لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية عبر ممرات بديلة ومشاريع لوجستية عابرة للأقاليم. غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تزال تصطدم بصلابة الجغرافيا البحرية التي تمنح المضائق التقليدية وزناً استثنائياً لا يمكن تجاوزه بسهولة. فهذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي نتاج تراكم تاريخي واستراتيجي يجعلها جزءاً لا يتجزأ من توازنات القوة العالمية.
المشهد العام يعكس لحظة انتقالية تتراجع فيها أنماط الهيمنة الأحادية لصالح توازنات أكثر تشابكاً، إذ لم تعد القواعد القانونية وحدها كافية لضبط السلوك الدولي، ولا القوة قادرة على فرض الاستقرار بمعزل عن الاعتبارات الأخرى. وفي هذا السياق، يبدو أن النظام البحري الدولي يتجه نحو إعادة تعريف قواعده، بما يفرض على مختلف الأطراف إعادة النظر في كيفية التوفيق بين حرية الملاحة وسيادة الدول، في إطار أكثر اتزاناً واستدامة.
ومع استمرار هذه التحولات، تتبلور معادلة جديدة مفادها أن أمن البحار لم يعد مسألة قانونية مجردة، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين النصوص والتطبيقات، بين الجغرافيا والسياسة، وبين المصالح الوطنية والاعتبارات الدولية. وفي هذه المساحة الرمادية تحديداً، يُعاد تشكيل النظام الدولي، لا من خلال إعلان صريح، بل عبر تراكم الوقائع التي تفرض نفسها تدريجياً على الجميع.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس