من المستفيد من تضخيم القضايا الصغيرة؟
- فؤاد أبو راس الأربعاء , 13 مـايـو , 2026 الساعة 12:39:20 AM
- 0 تعليقات

م. فؤاد أبو راس / لا ميديا -
في كل بلد يعيش الحرب والضغط والمعاناة، تظهر بين وقت وآخر قضايا صغيرة أو كبيرة. قد تكون شكوى من خدمة، أو خطأ من مسؤول، أو حادثة في مؤسسة، أو منشورًا غاضبًا على مواقع التواصل. وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي. الناس من حقها أن تشتكي، ومن حقها أن تطالب، ومن حقها أن تقول إن هناك خللًا يحتاج إلى إصلاح. لكن المشكلة تبدأ عندما تدخل أطراف من خارج البلد على الخط، فتأخذ القضية من حجمها الطبيعي، وتنفخ فيها، وتحولها إلى معركة هدفها إثارة الغضب وضرب الثقة بين الناس.
القضية في بدايتها قد تكون واضحة ويمكن حلها بهدوء لو بقيت في مسارها الطبيعي. لكن حين يتلقفها مغترب حاقد، أو ناشط يعمل لأجندة، أو منصة تبحث عن الإثارة، أو طرف سياسي يريد استغلالها، فإنها تتحول من قضية مطلبية إلى أداة هدم. عندها لا يعود الهدف إنصاف صاحب الحق أو معالجة المشكلة، بل يصبح الهدف إشعال الناس، وتوسيع الشك، وتصوير البلد وكأنه ينهار من الداخل.
وهذه هي اللعبة التي يجب أن يفهمها المواطن العادي قبل غيره. ليس كل من يتكلم باسم الإنسانية يريد الخير للناس، وليس كل من يرفع شعار الحقوق يبحث فعلًا عن الحق. أحيانًا تُستخدم العبارات الجميلة لتغطية نوايا سيئة. يضعون للقضية مكياجًا إنسانيًا، ويغلفونها بكلام عاطفي، ويقدمونها وكأنها دفاع عن المظلومين، بينما الهدف الحقيقي هو خلق حالة غضب مستمرة ودفع الناس إلى فقدان الثقة بكل شيء حولهم.
والخطر أن هذه الطريقة لا تحتاج إلى كذبة كاملة. في كثير من الأحيان يبدأون من واقعة حقيقية، أو خطأ موجود، أو تقصير فعلي، ثم يضيفون عليه كلامًا كثيرًا، ويكبرونه، ويربطونه بكل شيء، حتى يبدو وكأنه دليل على فشل كامل. بدل أن يقولوا هناك مشكلة ويجب حلها، يقولون إن كل شيء فاسد، وكل شيء منهار، ولا يوجد أمل. وهكذا تتحول القضية من باب للإصلاح إلى باب للإحباط.
والأخطر أن بعض الناس، بحسن نية، يساعدون على نشر هذه الحملات. قد يغضب المواطن من موضوع معين، فيعيد نشره دون أن يتأكد. وقد يرد آخر بانفعال شديد، فيزيد الموضوع انتشارًا. وقد يدخل الناس في جدال طويل، فيتحول المنشور الصغير إلى قضية رأي عام. هنا يكون الخصم قد حقق ما يريد، لأنه لا يحتاج دائمًا إلى إقناع الناس بكل كلامه، يكفيه أن يشغلهم ويقسمهم ويزرع بينهم الشك.
هذا لا يعني أن نسكت عن الأخطاء، أو نمنع الناس من الكلام. السكوت عن الخطأ يضر البلد، والتستر على التقصير يفتح الباب لمشاكل أكبر. ولهذا، فإن أول واجب على الجهات المسؤولة ألا تترك فراغًا للمزايدين. عندما تحدث مشكلة، يجب أن يكون هناك توضيح سريع. وعندما توجد شكوى، يجب سماعها. وعندما يقع خطأ، يجب الاعتراف به ومعالجته. فالتأخير والصمت والردود المتشنجة تعطي فرصة كبيرة لمن يريد الاصطياد في الماء العكر.
وفي المقابل، على المواطن أن يكون أكثر وعيًا قبل أن يشارك أي موضوع. يسأل نفسه: من نشر هذا الكلام؟ لماذا الآن؟ هل الهدف حل المشكلة أم زيادة الغضب؟ هل هناك معلومات كاملة أم مجرد عناوين مثيرة؟ وهل سأساعد بنشري على الإصلاح، أم سأكون جزءًا من حملة لا أعرف من يقف خلفها؟
في النهاية، كل قضية يمكن أن تكون فرصة للإصلاح إذا تعاملنا معها بعقل وهدوء ومسؤولية. لكنها قد تتحول إلى خنجر في خاصرة البلد إذا تركناها لمن يحسنون النفخ في النار. المطلوب ليس الصمت، بل الوعي. وليس التهوين من مشاكل الناس، بل منع المتاجرة بها. الصمود الحقيقي هو أن نعالج أخطاءنا بأنفسنا، بعيدًا عن أيدي من لا يريدون لنا إلا المزيد من الانقسام والتعب.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس