ذاك ما ميزهم عنا
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عندما يهدد أعداء الجمهورية الإسلامية باستهداف القادة؛ يدب الرعب في نفوسنا كعرب موالين للثورة وقيادتها، وحاملين لأمانة الدم، ضمن محور الجهاد والمقاومة، معتقدين أن الجمهورية الإسلامية ستنهار في حال نجح العدو باغتيال قادتها. ونحن بذلك ننطلق بالحكم من واقع الجهل بإيران، الذي يجعلنا ننزلها منزلة دولنا العربية، وتنظيماتنا السياسية، التي لا تحتاج قوى الاستكبار لكي تسقطها سوى ضرب رأس النظام وأبرز قادته، وإذا لم تسقط بعضها، فسوف تتراجع ملايين السنين الضوئية إلى الوراء، نتيجة عجزها عن إيجاد نماذج مماثلة لتلك النماذج التي ارتقت إلى مقام الخلود، بنيل الشهادة.
وذلك لأن العالم العربي عقيم عن الإنجاب للأبطال والرموز، وحتى في إطار وجود منهجية متكاملة، قادرة على بناء مئات الآلاف من الحملة القادرين على الوصول إلى نقطة الكمال الإنساني، الذي يبديهم في عيون السالكين مُثلا عليا، وقدوات لا بد من اقتفاء أثرها. هذا جانب. والجانب الآخر هو: أن العربي عادةً لا يدخل ضمن أمة تحمل راية رسالية، وتتحرك في إطار منهاج إلهي، وترتبط بقادة وهداة إلا ورأى نفسه أكبر من الرسالة، وأقدس من الدين، وفوق مستوى البشر، فلا شيء أثقل على النفس العربية من القول لها: لقد كان فلان نموذجا يجب السير على خطاه، واعتباره معلما في مجال القيادة السياسية والإدارية للدولة.
فمثلاً نحن في اليمن، وبرغم عظمة المشروع، وكمال القائد، ووضوح الطريق، ووجود الأمة، وتحقيق أكثر من نصر، وبلوغ مستوى متقدم في المواجهة للعدو؛ فإن ما يُؤرق معظم ساستنا، وربما عادوك على قولك لهم إياه؛ هو: أنْ تقول لهم إن الأحرى بهم الانطلاق من جعل الشهيد الصماد قدوة ومدرسة عظيمة يجب اقتفاء أثرها، والعمل من وحي تجربتها. لذلك فإننا لم نستطع ملء الفراغ الذي تركه الشهيد الصماد، سواء سياسياً أو اجتماعياً، بل وفي مختلف الصعد، هكذا يقول واقعنا كيمنيين.
فمَن من الأحرار لم يعش اليتم بعد الصماد؟ ومَن منا لم يتمن لو أنه مات قبل سماع ذلك النعي الذي قتلنا؟
لكن ذاك ما لا يمكن وجوده في إيران، فمثلاً:
اغتيل عدد كبير من أعظم رجال الثورة، سنة 1981م -أي بعد سنتين من انتصار الثورة- في التفجير الذي استهدف مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسفر عن خسارة عدد كبير من قيادات الصف الأول، وجاء في لحظة كانت فيها الجمهورية الإسلامية تواجه ضغطاً مركّباً: حرباً شاملة مفروضة من الخارج [الحرب الإيرانية العراقية] وحصاراً سياسياً واقتصادياً، ومحاولات اختراق داخلي اعتمدت الاغتيال المنهجي وسيلة لإحداث تفكك بنيوي في الدولة الناشئة. وقد تلى ذلك اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر، ما مثّل ذروة الاستهداف المباشر لهرم السلطة.
ورغم كل هذه الضربات القاسية، إلا أن الوقائع تكشف عن نمط خاص من التكوين السياسي، تميّزت به الجمهورية الإسلامية منذ عهد الإمام السيد الخميني، الأمر الذي أبقاها صامدة، فالنظام الجديد لم يُبنَ على مركزية الفرد بوصفه عنصراً مستقلاً، وإنما على مركزية المرجعية العقائدية التي تنتظم ضمنها الأدوار والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن موت القادة، على جسامته، لم يؤدِّ إلى تعطيل المسار العام، بل أعاد تفعيله ضمن نفس الإطار القيمي.
لقد تشكّل الجيل الثوري الأول على أساس فهمٍ واضح لمعنى التكليف، حيث جرى دمج البعد الديني بالبعد السياسي ضمن رؤية واحدة. وفي هذا السياق، لم تُفهم الشهادة أو اغتيال القادة بوصفها خسارة تشغيلية، بل باعتبارها جزءاً من منطق الاستمرار، الأمر الذي أتاح للنظام إعادة إنتاج النخب القيادية دون انقطاع وظيفي أو اهتزاز شرعي.
إن استمرار الجمهورية الإسلامية بعد كل الضربات المكثّفة لا يمكن تفسيره بالمعايير الإجرائية للدولة الحديثة وحدها، بل يتطلب إدراجه ضمن منطق الثورة الإسلامية بوصفها حركة ذات أساس اعتقادي. فالتماسك الذي أظهره النظام كان نتيجة انسجام داخلي بين المرجعية، والمؤسسات، والقاعدة الشعبية، وهو انسجام تعزّز بفكر الإمام الخميني الذي ربط الشرعية السياسية بالالتزام بمشروع الثورة.

أترك تعليقاً

التعليقات