عدم الغرور بالقوة المادية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عندما يقوم الواحد منا بقراءة الآيات القرآنية التي تتضمن نصوصها الحديث عن حركة الاتباع للرسل والأنبياء عليهم السلام، يصل إلى قناعة تامة بأن الباطل يستحيل عليه هزيمة الحق مهما كان لدى ذلك الباطل من عوامل تجعله أكثر تفوقاً على أهل الحق من حيث القوة المادية في العديد والعتاد، وإنما تحصل الهزيمة ويحدث التراجع والانكفاء في الواقع أمام تحركات الكفر والبغي من قبل الرساليين كنتيجة طبيعية لانصرافهم عن المشروع الإلهي إلى الأهواء النفسية فتستيقظ المطامع وتظهر الأنانية وتسود، وتستعر نار الشهوة وتتحرك بواعث الغريزة، وهكذا يكون السقوط أولاً من الداخل ليصبح السقوط الثاني في واقع الحياة صورة معبرة عن التركيبة الداخلية للذات وكاشفة لمكنوناتها، فالتغيير نحو السلب أو الإيجاب يبدأ من الأنفس، وما يخرج إلى الواقع هو فقط الأثر المعبر عن قيمة أو مبدأ فقط لا غير.
وقد تمر أي حركة رسالية بالكثير من المنعطفات وتشهد الكثير من المصاعب والآلام، وتخرج من كل ذلك أكثر تماسكاً وأعظم إيماناً، لكن ما إن يتحقق لها التقدم والنجاح حتى تبدأ مرحلة الاطمئنان إلى ما تم تحقيقه من أهداف، ويبدأ الاعتداد بالقوة المادية يفرض نفسه كإحساس ومشاعر وإيحاءات لدى تلك الطليعة كمقدمة لتكوين قناعات وأفكار مخالفة لما قام عليه تحرك هؤلاء الرساليين في زمن الاستضعاف والغربة، إذ كان مصدر قوتهم وملاذهم ومحل اطمئنانهم هو الله، الذي سرعان ما ابتعدوا عنه وراهنوا على قوتهم التي تتكون من عدة عوامل أبرزها النفوذ والسلطة وامتلاك المال وتوسع القاعدة الجماهيرية، فتحل هذه العوامل في النفوس كبديل عن الله، ليتم بموجبها تغيير الخطاب بالكلية، إذ لم يعد الحديث عن العدل والصدق والنزاهة وغيرها من القيم الإيمانية حاضراً إلا بما يتوافق وتوجهات السلطة التي باتت تركن إلى المدح والثناء وتراهن على المكانة التي وصلت إليها، فتكثر بذلك الأخطاء وتتسع دائرة السلبيات وينشط الفساد من جديد.
وهكذا تفرغ الحركة من مضامينها القيمية ومبادئها الإيمانية والرسالية ولا يتم الحديث عنها إلا من باب المزايدة والاستهلاك الفارغ، كما أن إثارة مثل هكذا حديث لا يعني أننا ننشد المثالية والطوباوية المطلقة الخالية من الأخطاء والتجاوزات والسليمة من العيوب، ولكننا نهدف إلى ألا تصبح الماديات هي المقياس لتفوقنا والحاكم لنظرتنا، لكون ذلك سيجعلنا نتعامل مع كل ما يخالف التعاليم الرسالية كثقافة نتداولها ونسعى لتعميمها وحمايتها فتصبح هي الثقافة المهيمنة على الواقع، وهكذا يصبح الخطأ مقبولاً والفساد مرحباً به دون أن يكون لدينا أدنى رغبة في معالجة ذلك الخطأ ومحاربة الجهة التي ينبعث منها الفساد.

أترك تعليقاً

التعليقات