جل ما يخشاه مستعمر اليوم
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
بين مخلفات استعمارٍ مقيت، وآثار وتبعات استبدادٍ غشوم، ظلت الكثير من المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية مجبورةً على العيش في ظل كل ذلك، عديمة الحيلة، شديدة العجز عن فعل شيء، مفتقرةً لأبسط العوامل التي تمكنها من إيجاد الرغبة التي تدفعها نحو بناء شخصيتها كما تريد هي وتختار، لا كما يريد لها ويختار المستعمرون ممثلين بقوى الاستكبار العالمي، الذين نجحوا أيما نجاح في فصل الأمة عن جذورها، مستغلين ما فعلته قوى وإمبراطوريات ظالمة ومتسلطة حكمت باسم الإسلام، وحافظت على انتمائها الشكلي إليه، مع التزامها في كل سياساتها العملية والتطبيقية طرقاً وأساليب لا حصر لها، مهمتها الوحيدة هي: إفراغ المضامين الإسلامية من محتواها الصحيح، وتعطيل كل ما توحي به من أبعاد حركية، أو ترشد إليه من اتجاهات وأسس تربوية وتشريعية وأخلاقية وعلمية وعملية، حتى تمكنت من حصر الإسلام في الزوايا والتكايا والهجر والمساجد، بحيث يصبح مرتبطاً بما هو متعلقٌ بالممارسات العبادية التي لا تتدخل بأي شأن من شؤون الحياة المختلفة، وليس لها أي تأثير في إيجاد أدنى تصور لما يجب فعله تجاه ما يواجهه المسلمون في واقعهم من قضايا وإشكاليات، باعتباره فقط مختصاً بتنظيم العلاقة مع الله، ولا يهدف سوى لبناء المستقبل الأخروي الذي لن يتحقق سوى بترك أمور الدنيا ومشاغل الحياة، وكل ما قد يلاقيه المسلم من عناء وفقر وظلم وسلب للحقوق وامتهان للكرامة وانتهاك للعرض وسيطرة واستعباد ما هو إلا نوع من أنواع البلاء المكتوب عليه من الله، ولا يجب عليه فعل شيء من أجل الخروج منه سوى المزيد من التسبيح والأدعية وقراءة أوراد من القرآن الكريم بعينها فقط لا غير، وبعدها فالله هو مَن سيقرر: إما كشف ضره أو بقاءه فيه، وإذا فكر بفعل شيء كان فعله ذاك داخلاً ضمن الأشياء التي يصبح فاعلها متعدياً على مراد ربه، وكافراً بما قدره له، ورافضاً الاحتكام لما حددته مشيئته سبحانه، الأمر الذي جعل الواقع الإسلامي يتجه نحو إيجاد البدائل التي ستساعده على التخلص من كل تلك الحالات المأساوية من خارج الدين، الذي بات مجرد قيد له لا أقل ولا أكثر.
وقد عمل المستعمرون على تعزيز هذه القناعة في وجدان الأمة العام ووعيها الجمعي، من خلال صياغتهم لحركات وأفكار تلبي حاجة المجتمعات في الخلاص من المستعمر الذي يحمل المدفع ويرتدي الزي العسكري فقط، ليبقى المستعمر عينه موجوداً ولكن بأشكال أخرى مختلفة ومظاهر متعددة، وذلك ما يضمن حالةً من السيطرة على العقول والأفكار، بعد أن يتم إنهاء السيطرة على التراب والجغرافيا، ولو أننا أمعنا النظر في مجمل نشاطات الحركات التحررية التي شهدها العالم خلال القرن العشرين، لأدركنا أن نشاطها كان مركزاً على الخلاص من المحتلين عسكرياً، بينما بقية المجالات الأخرى ظلت خاضعةً للمحتل ومحكومة بتصوراته، ومنجذبة إليه باعتباره المثال لما يجب أن يكون عليه حال تلك المجتمعات المنشود.
وبناءً على ما سبق نستطيع أن نصل إلى الخلاصة التي تبين لنا: جل ما يخشاه العدو من محور المقاومة بشكل عام، واليمن على وجه الخصوص، وهو: ذلك التوجه الذي يناهض الاحتلال ويسعى لاستئصاله، مع الحرص على العودة إلى الجذور المكونة لضمير هذه الأمة تاريخياً ودينياً، وهذا يعني أن الخلاص من سيطرة المستكبر وسطوته لن تكون مقدمة لوجوده بطرق بديلة وأشكال وأساليب أخرى خفية، وإنما ستكون مقدمة لاستعادة الهوية، وصياغة الشخصية الفريدة والمستقلة، الخالية من أي تأثير للغرب الإمبريالي، أو تأثر به، وهذا هو ما يحتم علينا التنبه إليه، والعمل وفق ما يؤكده ويدعم بقاءه وتمدده واتساع العارفين بما له من قيمة ودور، عندها لن تترك البطولة والتضحية الميدانية لرجال الرجال مجرد باعث على الانبهار والإعجاب، فتصير مع الزمن بحكم الأساطير الخيالية، وإنما ستبقى روح الكلمة ومصداق الفكرة في كل زمان وجيل.

أترك تعليقاً

التعليقات