مدرسة العرفان الثوري
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
بين فقاهة تصنع نساكاً قابعين في صوامع الانغلاق والجمود، مسيجة بالجهل، وأفكار وفلسفات تصنع رفوفاً أو هردات لأرشفة وتخزين الكتب؛ ظل المرء يدور لقرون، كطواحين الهواء، لا يجني سوى الفراغ. إلى أن تأسست «مدرسة العرفان الثوري» وهي: مدرسةٌ «حسينيةُ العمق والامتداد»، «علويةُ الهوى والهوية»، «خمينيةُ المنطلق والغاية».
هذه المدرسة التي بنت المقاوم المجاهد العارف، الذي يقاتل بالروحية قبل السلاح، ويتحرك على ضوء الوعي بزمانه ومكانه وأمته والبشرية جمعاء؛ كان لها أستاذان؛ هما: الإمام سيد الشهداء القادة؛ «علي الحسيني الخامنئي» والسيد الشهيد الأقدس «حسن نصر الله» (رضوان الله عليهما).
ازداد يقيني بهذا الاستنتاج الذي لا يخضع للعاطفة؛ وإنما هو خلاصة بحث منهجي، وتأمل دقيق؛ وذلك حين تأملتُ في شخصية الإمام الشهيد السيد علي خامنئي. هناك اكتشفتُ صورةً لم أتخيلها من قبل: شخصية دينية متكاملة الأبعاد، عالمٌ يعي طبيعة عصره، ومتطلبات زمانه وجيل الحاضر، لا يتقيد بالنصوص، فقيهٌ عالمي النظرة يقرأ العالم كما يقرأ الكتب المقدسة. لم يكن الأمر أنه تفوق بالضرورة على جميع العلماء في إلمامه بالنصوص التراثية، فربما كان بعضهم أكثر حفظاً منه، وأكثر تخصصاً كذلك، وأكثر عمقاً في مسائل الرواية والسند. لكنه فعل ما لم يجرؤ عليه الكثيرون: لقد أنزل الفقه من عليائه وسار به وسط تقلبات الواقع والتاريخ.
لقد كان الخامنئي القائد الذي فهم الحقائق السياسية وقرأ الخريطة الجيوسياسية بفهم عميق لم ينبع من مجرد دراسة نظرية، لهذا وجدناه يتحرك بروحية مَن أدرك استراتيجيات المعادين للإسلام والإنسانية، ليس فقط لمواجهتها، بل للتغلب عليها. وهو الذي بنى جسور الوحدة في أرضية مليئة بالتناقض والصدام والانقسامات، واتخذ مواقف تحمي المجتمع حتى في القضايا التي تغذي التوترات الداخلية. وكان ملماً بعالم الأدب، وفهم أفكارا خارج نطاق تراثه؛ إذ قرأ المجتمع بحساسية شخصية ثقافية ويقظة رجل دولة. لم تقتصر معرفته على مجال واحد، بل جعلها تنبض بالحياة في واقع دائم التغير.
أما ما يجعلك شديد التعلق به: أنه وبالرغم من كل العظمة والجلال والتبجيل الذي يُحيط به من كل جانب، فإنه لا يزال يُقدّم نفسه كأحد أتباعه، لا فرق بينه وبينهم، كفقيهٍ يسعى في إطار الطاعة لله، ويرجو رضاه، كخادمٍ مُطيع لشعبه ومجتمعه، كمقاتلٍ وفيّ لأمته ومبادئه. إنه أبٌ لكل مؤمن. إنه قدوةٌ أخلاقيةٌ نحن بأمسّ الحاجة إليها، ليس فقط من قِبل المسلمين، بل من قِبل البشرية جمعاء المتعطشة لشخصيةٍ تجمع بين العلم والأخلاق، والقوة والتواضع، والعظمة والخضوع لله. إذا وجد من بين الناس مَن صاروا كالنجوم التي تُنير سماء المعرفة، فإن الإمام الشهيد علي خامنئي هو الشمس الساطعة، فنوره لا يُنير فحسب، بل يُدفئ ويُحرك ويُحيي.
لم تجف الأقلامُ بعد، ولن تجف أبداً؛ فمدرسة العرفان الثوري حبرها دم أساتذتها. ولن تطوى الصحف؛ فمدونات علوم ومعارف هذه المدرسة تتجلى في الواقع والنفوس. فكل خطوة درس، وكل كلمة مادة في مقرر جهاد البناء.
هنا، يبرز الشهيد الأقدس، السيد الأمة «حسن نصر الله»، الذي بمجرد أن تنظر إلى سيرته ومسيرته العلمية الجهادية الإنسانية التحررية، تكتشف آلاف الأبعاد العميقة لمعنى المقاومة والجهاد! وهذا هو سر علوه على سواه في عقول وقلوب الأحرار، وتخليد ذكره كرمز للصدق والزهد والشجاعة والرحمة والعزة والثبات وحب الناس. وكفاه شرفاً أنه «ابن التجربة وبطلها» و«حارس الحقيقة والناطق باسمها»، إنه الرجل الذي لم يبقَ في الحوزات لفترات طويلة، وربما لم يبلغ مرتبة المجتهد بالمعنى الشائع، الذي تحدده الحوزة؛ لكنه فاق كل الفقهاء، وسبق جميع المجتهدين، فهو لا سواه الذي بدا فعلاً المجتهد الحقيقي، وبالمعنى الأوسع والأعم للاجتهاد، فقد قدم رؤية عالمية لبناء إنسان المرحلة، إنسان الرسالة العالمية، المنطلقة من الدين لبناء الدنيا، والتي تعيش الانتماء لهويتها، من خلال القرب من كل الناس بهوياتهم المختلفة المتناقضة، وينسجم مع كل طبقات الواقع المحيط به. وهي لعمري مهمة لا يقدر عليها سواه، فهو وحده كان قريباً ومنسجماً مع كل تلك الديناميكيات المعقدة التركيب للمجتمع اللبناني، حريصاً على القيام بواجب النصرة لكل مظلوم، بعيداً كل البعد عن المذهبية والتحيز الطائفي، متناغماً مع العالم الحر الواسع والمتنوع. وكان حريصاً على العالم العربي المضطرب، وعلى العالم الإسلامي الباحث عن وجهة. وفي هذا التناغم، لم يفقد هويته، بل ظل شيعياً، رافضاً للظلم والاستكبار، وقام بدوره كله كشخصية بارزة، ومواطناً متجذراً بعمق في أرض وطنه. لم يذبُل. لم يُقتلع من جذوره. لم يُجرّ مع التيار.
وقف وجهاً لوجه أمام قوى كانت أسماؤها وحدها كافية لترهيب الكثيرين: أمريكا، «إسرائيل». لكنه ظل ثابتاً لا يتزعزع. أنجب جيلاً عظيماً رفع اسم الحرية والمقاومة عالياً في أرجاء العالم. وإذا ما استمعنا إلى محاضراته، لوجدنا فيها حكمةً عميقةً، تتجلى فيها أبعاد فلسفية ومعرفية وتاريخية وثقافية وفكرية. كل ذلك كان مؤثراً ومنظماً بأسلوب رفيع؛ لكنه لم يقتصر على جمال الكلمات. لقد أيقظ. لقد حرك. لقد أنجب مقاتلين في كل المجالات.
لقد علمنا أن المعرفة التي لا تُترجم إلى عمل ليست سوى أرشيف لكميات من الطلاسم. والسيد حسن نصر الله دليل على أن المجتهد الحقيقي ليس فقط من يفهم النصوص، بل من يستطيع تحويلها إلى تاريخ. إنه كالبدر في سماء العالم العربي والإسلامي، نورٌ ظاهرٌ لا يخبو، حتى بعد رحيله.
والخلاصة: إن الإمام خامنئي والسيد الشهيد نصر الله يعلّمانك ما هو أبعد مما قد يعلمك إياه سواهما. سيعلمانك كيف تمسك السيف دون أن تفلت القلم، وكيف تقف في خضم التاريخ دون أن تغفل عن الزمن الحاضر والمستقبل، وكيف تبني الدنيا دون أن تغفل عن الآخرة، وكيف تكون إنساناً لا يملأ العلمُ رأسه فحسب، بل يشتعل في صدره ويدفعه نحو الحق، مهما كان بعده ومهما كان الثمن باهظاً.

أترك تعليقاً

التعليقات