سياسة على استحياء
- مرتضى الحسني الأربعاء , 4 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:15:24 AM
- 0 تعليقات

مرتضى الحسني / لا ميديا -
ثمّة فارق جوهري في السياسة بين ما يُقال لتهدئة الرأي العام، وما يُقال لصنّاع القرار في الغرف المغلقة. الفارق ذاته هو ما يفسّر كثيراً من التناقضات التي تحكم السلوك السعودي في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ الإقليم. فالمملكة، وهي تحاول إعادة تقديم نفسها لاعباً عقلانياً يدعو إلى خفض التصعيد، لا تزال تُدار بمنطق قديم: طمأنة الحليف الأمريكي في السر، ولو على حساب اتساق الخطاب في العلن.
في التصريحات الرسمية، تحرص الرياض على إظهار مسافة محسوبة من أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، وتبعث برسائل تطمين مفادها أنها لا ترغب في أن تكون منصة عدوان أو ممراً لحرب. غير أنّ هذه الصورة سرعان ما تتصدّع حين نقرأ ما يجري في واشنطن، حيث يلتقي خالد بن سلمان بمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، ويقدّم قراءة مغايرة تماماً؛ إذ إن أي تراجع أمريكي عن التهديدات المعلنة تجاه إيران لن يعني إلا نتيجة واحدة، وهي خروج طهران أقوى وأكثر تحرراً من القيود. ليست هذه ملاحظة تحليلية بريئة، بل تلميح سياسي واضح بأن الضغط العسكري -أو التلويح الجدي به- ما يزال خياراً مرغوباً.
هذه الازدواجية ليست حادثة عرضية، بل تعبير عن بنية كاملة تحكم الدبلوماسية السعودية. فهي دبلوماسية لا تعمل خارج الإطار الأمريكي، ولا تحاول حتى إعادة تعريف هذا الإطار، وأقصى ما تطمح إليه هو ألّا تُساء قراءتها في واشنطن. ولذلك، لم يكن تفصيلاً ثانوياً أن يحرص المسؤول السعودي على تأكيد أن بلاده لا تريد أن تُفهم كمُعارِضة لإدارة ترامب. ففي السياسة الدولية هذه العبارة تُقرأ باعتبارها تحديد موقع لا مجاملة دبلوماسية.
في المقابل، تدرك الرياض -أو يفترض أنها تدرك- أن حسابات واشنطن لا تُبنى على مبدأ توازن المصالح بين الحلفاء. فحين تتقاطع المصالح السعودية مع المصالح «الإسرائيلية»، تكون الأولوية محسومة سلفاً. «إسرائيل» ليست مجرد حليف، بل عنصر تأسيسي في الرؤية الأمريكية للمنطقة، بينما تُختزل السعودية في دور وظيفي: مصدر طاقة، ومموّل، وركيزة استقرار يمكن الضغط عليها متى اقتضت الحاجة. من هنا فإن أي مواجهة أو تسوية مع إيران ستُصاغ أولاً بما يخدم أمن «إسرائيل» وتفوّقها، لا بما يحدّ من كلفة الارتدادات على الخليج.
ومع ذلك، تتصرّف السعودية وكأن فقدان المظلّة الأمريكية خطر وجودي لا يمكن التفكير فيه. هذا الخوف البنيوي يفسّر استعدادها للذهاب بعيداً في تقديم الضمانات، والقبول بتموضع سياسي هش، يفتقر إلى أدوات المناورة المستقلة؛ إذ يتحول التحالف إلى اعتماد كامل، يفقد معناه، ويصبح عبئاً استراتيجياً لا مصدر قوة.
يبرز هذا الخلل بأوضح صوره في التقارب السعودي - «الإسرائيلي» حول الملف الإيراني. فمن منظور تكتيكي، يبدو هذا التقارب مفهوماً في خصم مشترك، وضغط أمريكي متزايد، ورغبة في تقليص نفوذ طهران. لكن من منظور استراتيجي بعيد المدى، يحمل هذا الخيار مفارقة خطيرة؛ فإيران تشكّل في الوقت نفسه عنصر توازن غير مباشر في وجه التفوق «الإسرائيلي» المطلق، وإذا أُضعفت أو أُخرجت من معادلة الردع، فإن «إسرائيل» ستجد نفسها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على فرض شروطها، دون كوابح حقيقية، بما في ذلك على شركائها الجدد.
في جميع الأحوال، تبدو النتيجة واحدة تقريباً: السعودية إما ستدفع ثمن الفشل، وإما ستجد نفسها، في حال النجاح، أمام «شرق أوسط» تُهيمن عليه قوة لا ترى فيها شريكاً متكافئاً. السياسة التي تُدار على استحياء، وتُقال فيها الأشياء ونقيضها بحسب المكان، قد تُؤجّل الأزمات، لكنها لا تمنعها. والتاريخ، في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكافئ من اكتفى بإرضاء الحليف، بل من امتلك الجرأة على تعريف مصلحته بوضوح - والدفاع عنها.










المصدر مرتضى الحسني
زيارة جميع مقالات: مرتضى الحسني