بطلٌ من أبطالِ الرفض
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كلما شهدت البشريةُ مبعثَ مخلص جديد يحمل «فأس إبراهيم الخليل» ماضياً في القيام بمهمة مقدسة، هي تحطيم كل ما اتخذته سلطة القهر والاستغلال إلهاً من دون الله كعامل إلهاء للمستضعفين، ومسكن مؤقت لآلام الفقراء والمعدمين؛ جاء الكهنة والسحرة وكل مكونات «الملأ» بكل أدوات الحجب والعزل والمحو والتزييف والتجريم لهذا المبعوث وسيرته، ورسالته في الحياة، ودوره في تحطيم كل المعاني الصنمية التي قيّد من خلالها المستكبرون المترفون عقول مجتمعاتهم، وأعموا بطلاسمها أبصارهم، وسلبوا ببريقها الروحي المزيف أرواحهم المريدة المختارة.
وها نحن أمام بطلٍ من أبطال الرفض؛ إنسانٍ حمل نار الحقيقة مبدداً ظلمات ليل زمنه الحالك المخيف. لقد حرمونا منه؛ وشكلوا حاجزاً نفسياً بيننا وبينه؛ وما أغبانا! كيف صدقناهم؟! ألسنا أبناء دينٍ يقول: «الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها»؟! لقد قالوا: هو أساء للدين، وأقام الطبيعة مقام خالقها. وقد جانبوا الصواب؛ فهو هاجم دين التاريخ، لا دين الفطرة والحقيقة، وكفر بالإله الطاغوت لا بالرحمن. وإن ثمة علماء وفقهاء قد قالوا على الله ما لم يقله أشد الناس كفراناً بوجوده تعالى؛ فلماذا يكرهونه؟!
لأنك بالتعرف عليه ستتمكن من الحصول على المعرفة التي تعطيك الأسس التي تجعلك على وعي بالأنطولوجيا المادية للزمن، وجدلية المأساة والمهزلة، وسوسيولوجيا الكابوس التاريخي.
لماذا ماركس هو آخر فيلسوف للتاريخ وأول ناقد له؟
كل فلسفات التاريخ قبله كانت تسأل: إلى أين يسير التاريخ؟
ماركس وحده سأل: من الذي يجعل التاريخ يسير أصلاً؟ ولماذا يبدو أحياناً كأنه يدور حول نفسه كثور معصوب العينين؟
لقد كرهوه لأنه اكتشف الحقيقة المُرة: التاريخ لا يسير، بل يُصنع. وحين يتوقف الناس عن صنعه، فإنه لا يتوقف، بل يعيد تدوير نفاياته؛ مرة كمأساة لها قداسة الدم، ومرة كمهزلة لها ابتذال التكرار.
وهذه محاولة أولية لتشريح هذا المعنى.

هدم الهيكل - ماركس ضد ثلاثة أوهام كبرى عن التاريخ
الوهم الأول: التاريخ فكرة - هيغل:
كان هيغل يرى التاريخ كسيرة ذاتية للروح المطلقة. كل عصر هو فكرة تلبس جسد شعب. كل حرب هي جدل منطقي بالمدافع. نابليون هو الفكرة تمتطي حصاناً.
ماركس وقف أمام هذا الهيكل المهيب وقال: احرقوه؛ فليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي.
التاريخ لا يبدأ في السماء ثم ينزل إلى الأرض، بل يبدأ في الأرض، في المطبخ، في المصنع، في الحقل، في كيفية حصول الناس على خبزهم... الفكرة لا تخلق المصنع، بل المصنع هو الذي يخلق الفكرة التي تبرره.
بهذا القلب، نزع ماركس القداسة عن التاريخ. لم يعد مسيرة إله، بل صار عملاً يومياً، عرقاً، صراعاً على لقمة.
الوهم الثاني: التاريخ طبيعة - المادية القديمة:
قال الماديون قبل ماركس: الإنسان ابن بيئته، تحكمه الجغرافيا والمناخ.
قال ماركس: كلا؛ الحيوان ابن بيئته، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يغير بيئته ليغير نفسه. التاريخ ليس طبيعة، بل هو نفي الطبيعة. هو ما يفعله الإنسان حين يرفض أن يكون حيواناً.
النهر ليس تاريخاً، لكن بناء سد على النهر هو تاريخ. الجبل ليس تاريخاً، لكن شق نفق فيه هو تاريخ.
الوهم الثالث: التاريخ تقدم عقلي - الأنوار:
قال فلاسفة الأنوار: التاريخ يتقدم لأنه يصبح أعقل.
وقال ماركس: التاريخ لا يتقدم لأنه أعقل، بل لأنه أكثر قدرة على الإنتاج. ليس العقل هو المحرك، بل التناقض بين ما نستطيع إنتاجه وبين من يملك ما ننتجه.
كل تقدم تقني يخلق طبقة جديدة، وكل طبقة جديدة تخلق وعياً جديداً، وكل وعي جديد يظن نفسه الحقيقة الأبدية، حتى تأتي طبقة جديدة تدفنه، وتقيم بنيانها على ثرى مقبرته.

أترك تعليقاً

التعليقات