قصاصةٌ من ركامِ القهر
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا نزال نفتش في ركام التجارب الحركية، والفلسفات الإنسانية عن الإنسان؛ كموجود؛ له حرمة وكرامة وحقوق، فهل شهدت أي مرحلة من مراحل التاريخ البشري وجود سلطة أو دولة استطاعت أن تُكسب نفسها هذه القداسة: بحيث تعاملت مع إنسانها كما هو؛ ولم تنزع عنه إنسانيته؛ وتتعاط معه باعتباره عدماً، ولكي تمنحه تأشيرة العبور من العتبة التي تفصل بين جحيمه وجنتها: عليه أن يلغي علاقته بما كان قائماً عليه ذاته؛ فكراً وروحاً، عقيدةً وأسلوباً عملياً؟
في اعتقادي: أن كل السلطات التاريخية التي مرت بها حياة الإنسان؛ استطاعت أن تبني كيانها هي كسلطة؛ ولكي يتم لها ذلك كان لا بد أن تهدم إنسانها! وتعيد تشكيله بالشكل الذي يجعله مجرد تابع لها، خادم ذليل في بلاطها، عبد مملوك لسلطانها، فهي صاحبة الحق الحصري في اتخاذ القرار بكل ما يتعلق بوجوده ومصيره وكل شيء يتصل به موتاً وحياةً. كل النظريات السياسية والمدارس الفكرية والاجتماعية وسواها جاءت لتنظيم العلاقة بين الدولة كغاية، وبين المجتمع كوسيلة لحفظ بقائِ هذه الدولة أو تلك.
ولعل أصدق دليلٍ لإثبات هذه الفرضية هو: تغير وتبدل المواقع والأدوار لدى مجتمع أو شعبٍ ما؛ بحيث يصير الذين كانوا بالأمس متناً في الوجود؛ مجرد هامش لا وزن له والعكس. كل ذلك يحصل بمجرد سقوط منظومة حاكمة وصعود منظومة أخرى. وحين ذاك يبدأ الناس في سباق محموم في ما بينهم: مَن يكون الأقدر على تغيير جلده أولاً؛ لكي يتسنى له الوصول إلى المرتبة التي تمنحه رضى المنظومة الحاكمة، بل وتعطيه الحق في الحياة والحركة، وتجعله جزءا لا يتجزأ منها؛ فيجني الثمرة قبل الجميع.
من هنا كان من الطبيعي أن يترسخ في ذهنيتك كإنسان: أن لدى كل سلطة سياسية خمس قواعد على الأقل؛ يجب التزامها كي تمنحك حق العبور من نقطة الفراغ إلى ساحة المواطنة:
1. مَن أنت وابن مَن؟
اسمك هو أول مسطرة تقاس بها. هناك أسماء تعبر مباشرة، وأسماء تثير الشك. اسم العائلة، اسم القبيلة، اسم المنطقة. في بعض المجتمعات، يكفي أن تقول اسم عائلتك ليعبر ملفك. وفي مجتمعات أخرى، يكفي أن يسمعوا اسم منطقتك ليوضع ملفك في الأسفل. الاسم هو تأشيرة عبور أولى.
2. طريقة حديثك، أو اللهجة، وكذلك مظهرك الجسدي (الهيئة):
كيف تتحدث؟ هل تتحدث بلهجة المركز أم بلهجة الهامش؟ هل تقف بثقة أم بانحناء؟ هل تلبس بدلة تعرف مقاسك أم بدلة أكبر منك؟ هل تعرف كيف تصافح، كيف تجلس، كيف تضحك في الاجتماع؟
السوق لا يسمع ما تقول، بل يسمع كيف تقول. هذا رأسمال جسدي يتدرب عليه أبناء الطبقات الانتهازية المستغلة منذ الطفولة في نواديهم ومدارسهم الخاصة.
3. من أين أنت؟ العنوان (الجغرافيا الرمزية):
أين تسكن؟ عنوانك ليس مكان نومك، بل هو قيمة مضافة لسيرتك. انتماؤك لهذه المنطقة أو تلك، والسكن في حي راق هو إشارة عبور تقول: أنا آمن، أنا مستقر، بعيد عن القوائم السوداء، أنا منكم. الانتماء لمنطقة ما، والسكن في حي شعبي أو قرية منسية هو عبء يجب أن تبرره. كثير من الشباب يضع عنوان قريب له في العاصمة بدل عنوانه الحقيقي، لأنه يعرف أن العنوان يمنع العبور.
4. التوصية أو التزكية (العلاقات):
ليس الواسطة بمعناها الفج (اتصل بفلان ليوظفك)، بل التزكية الناعمة. أن يقول عنك شخص موثوق: «هذا الشاب أعرفه». هذه الجملة القصيرة تختصر سنوات من إثبات الكفاءة. من لا يملك من يزكيه، عليه أن يثبت نفسه بالأدلة، ومن يملك من يزكيه يعفى من عبء الدليل.
5. الثقة الموروثة (الأمان النفسي):
وهو الأخطر والأعمق. هناك أطفال يكبرون وهم يشعرون أن العالم لهم، أن الأبواب ستفتح لهم، أن الخطأ مسموح. وهناك أطفال يكبرون وهم يشعرون أن العالم ضدهم، أنهم ضيوف ثقلاء، أن أي خطأ سيطردهم من الوطن والعالم.
الأول يدخل إلى معترك الحياة قوياً، كل شيء له، هو الوطن والمواطن. والثاني يدخل مكسور الجناح، ينقضي عمره وهو ما زال يفاوض على جزء بسيط من الهامش؛ لكيلا يكون عدماً، تراه دوماً يعتذر عن وجوده. هذه جريمة متوارثة،  ليست شخصية نستطيع محاكمة مرتكبيها، بل هي نتاج طبقية موروثة، فكانت بحق حصيلة تعاقب أجيال تقاسمت الأدوار بين قاهرٍ ومقهور.

أترك تعليقاً

التعليقات