بين فؤوس المطبلين وسيوف الفقهاء
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
أنْ تبقى كما أنت؛ لا تطالك مسابكُ التبديل والتحوير وإنتاج قوالب جديدة لروحك وفكرك وضميرك وفقاً لحاجة السوق، ومتغيرات الواقع، وطبيعة المرحلة؛ فإن ذلك يعني: أنك قد ربحت نفسك؛ واحتفظت بجوهرك الإنساني، وكسبت احترام الناس لك؛ لأنك ظللت في خارطة الشرف والكرامة مفتاحاً لفهم حدودها ومناطقها، ومتناً في كتاب الحرية برغم سيادة المحو، والزيادة والحشو التي تسلكها أيادي التحريف خدمةً لحركة الانحراف القوية.
لقد أحسن غيرك الاختيار للبدايات؛ لكنه وقع في وحل السوء؛ عندما اعتقد أن مهمته انتهت في مرحلة ما، وأن ما دام وقد آل إليه أمر كل شيء؛ فإنه في حلٍ مما كان يحمله من مبادئ، ويسعى لتحقيقه من أهداف؛ فقد صار الناس أو الجمهور وسيلة في سبيل بلوغه لغاياته؛ ولم يعودوا غايةً يجب اتخاذ كل الوسائل لأجلها.
إن هناك أكثر من معمل لإعادة تدوير تلك الذوات التي فقدت بريقها وروحها؛ وتعرضت للتفكك والتدمير، وأصابها التحلل والران؛ ففي معامل الخطاب والإعلام: يُؤتى بشخصيات تعيش في حالة من الجفاف الروحي، والتصحر الفكري، شخصيات أصابتها عوامل التعرية القيمية بفعل رياح الخوف والنفعية التي كلما هبت عليها؛ قلبتها رأساً على عقب؛ ثم يتم تقديم تلك الشخصيات للناس باعتبارها أنجماً في سماوات السراة نحو فجر الوعي سبل الوصول الآمنة. لكنها في ما تقوم به من مهام ليست سوى مشاعل بيد المستفيدين من بقاء الظلام مسخرةً لتعميق حالة من التيه، وتعزيز الشعور بالعجز؛ إذ لا يجد المرء إلا الفراغ مداراً ومستقراً لوجوده وحركته.
هنالك، يتم سلخ جلد الحقيقة بشكل تدريجي؛ خطوةً خطوة. أما الثقافة فيتم تغليفها بأكياس المصانع المصدرة لبضاعة القصور إلى الرعية؛ كعقاقير تخدير ومسكنات موضعية، فيضيع الفكر الثوري في دهاليز التهريج، لتموت النباهة الاجتماعية في ساحة الحياة؛ بعد أن تتعرض لأكثر من ضربة قاتلة؛ تتناوب على تسديدها إليها يدان متخادمتان:
الأولى؛ وسائل إعلام الدفع المسبق؛ وما ينتج عنها من أقلام وألسنة الضجيج والتهريج. وثانيتهما؛ منابر المساجد؛ ومخرجاتها المعممة بعمائم المشترين بآيات الله ثمناً قليلاً.
وهكذا تضيع الشعوب، ويصير الجميع ضحيةً يتم اقتسام لحمها ودمها مناصفةً؛ بين فؤوس المطبلين، وسيوف الفقهاء.

أترك تعليقاً

التعليقات